وَعَلَى أَنَّ الْإِمْسَاكَ لَيْسَ بِعِبَارَةٍ عَنْ الْقَتْلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْسِكُهُ عَلَيْنَا وَهُوَ حَيٌّ غَيْرُ مَقْتُولٍ ، فَلَيْسَ إمْسَاكُهُ عَلَيْنَا إذًا إلَّا أَنْ يَحْبِسَهُ
حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ.
وَلَا يَخْلُو الْإِمْسَاكُ عَلَيْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ حَبْسُهُ إيَّاهُ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ ، أَوْ حَبْسُهُ عَلَيْنَا بَعْدَ قَتْلِهِ ، أَوْ تَرَكَهُ لِلْأَكْلِ مِنْهُ بَعْدَ قَتْلِهِ ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَبْسَهُ عَلَيْنَا وَهُوَ حَيٌّ غَيْرُ مَقْتُولٍ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَأَنَّ حَبْسَهُ عَلَيْنَا حَيًّا لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا قَتَلَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَبْسَهُ عَلَيْنَا بَعْدَ قَتْلِهِ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ إمْسَاكَهُ عَلَيْنَا شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ وَانْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يَحْبِسْهُ عَلَيْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ ؛ فَعَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ تَرْكُهُ الْأَكْلَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} يَقْتَضِي إبَاحَةَ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيْدِ بَعْدَ أَكْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْسَكَهُ عَلَيْنَا إذَا لَمْ يَأْكُلْهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْنَا الْمَأْكُولَ مِنْهُ دُونَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فَقَدْ اقْتَضَى ظَاهِرُ الْآيَةِ إبَاحَةَ أَكْلِ الْبَاقِي مِمَّا هُوَ مُمْسَكٌ عَلَيْنَا.