أقول: روى ابن جرير بالمسند المذكور إلى عدي قال: ( سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي ؟ فقال: ما أمسك عليك فكل ) . وعن ابن عمر ومجاهد: ( لا يحل إلاَّ صيد الكلب فقط ) . وروى ابن جرير بسنده ، أن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير (والبراة من الطير) فما أدركت فهو لك . وإلاَّ فلا تطعمه وقال ابن أبي حاتم: كره مجاهد صيد الطير كلَّه ، وقرأ قوله: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} . أي: فإن قوله تعالى: {مُكَلِّبِينَ} يشير إلى قصر ذلك على الكلب . وقال الحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق: يحل من كل شيء إلا الكلب الأسود البهيم . لأنه قد أمر بقتله .
الثالث: قدمنا أن انتصاب: {مُكَلِّبِينَ} على الحال من: {عَلَّمْتُم} . قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون حالاً من المفعول وهو (الجوارح) أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد . وذلك أن تصيد بمخالبها وأظفارها .
فيستدل بذلك ، والحالة هذه ، على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته وبمخالبه وظفره ، أنه يحل . كما هو أحد قول الشافعي وطائفة من العلماء . ولهذا قال: {تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ} وهو أنه إذا أرسله استرسل ، وإذا استشلاه استُشْلِيَ ، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه ، ولا يمسكه لنفسه . ولهذا قال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ} . فمتى كان الجارح معلّماً وأمسك على صاحبه - وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله - حلّ الصيد وإن قتله ، بالإجماع .