لقوله تعالى: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) ... فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنم إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص (جِثيًّا) بكسر الجيم )) [1] وكذلك قرن أبو حيان دلالة الجثو في سورة مريم بدلالتها في سورة الجاثية، فقال: (( فالمعنى: يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم كما كانوا في الموقف متجاثين؛ لأنَّه من توابع التوافق في الحساب قبل الوصول إلى العقاب والثواب، وقال تعالى:(وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) و (جثيًّا) حال مقدرة )) [2] وقال ابن كثير: (( قال العوفي عن ابن عباس، يعني قعودًا كقوله تعالى:(وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ) )) [3]
وذكر ابن عاشور أنَّ الجثو في الشاهدين واحد، ويعني القعود على الركب، إلاَّ أنَّ جثو الناس في الحشر في قوله تعالى: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) جثو خضوع لله تعالى، وجثو الكافرين حول جهنم في قوله تعالى: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) جثو مذلة [4]
فقد أكَّد المفسرون أنَّ الجثو في شاهدي الوجهين واحد، ولو صح أنَّ الجثو في شاهد الوجه الأول بمعنى جماعات فهو وجه مختلق؛ لأنَّه من جثوة لا من جاث، أي: من صيغة أخرى، فيكون لكل معنى صيغته، ولكل صيغة معناها ولا أوجه أيضًا، وقد جمع ابن الجوزي أقوال المفسرين في معنى (جثيًّا) فقال: (( وللمفسرين في معناه خمسة أقوال، أحدها: قعودًا، والثاني:
(1) أنوار التنزيل 4/ 16.
(2) البحر المحيط 6/ 256 - 257.
(3) تفسير القرآن العظيم 5/ 187 وينظر: فتح القدير 8/ 435
(4) ينظر: التحرير والتنوير 16/ 68.