فسَّر البيضاوي مثلًا الآية بقوله: (((وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) وتعرَّف الطير فلم يجد فيها الهدهد )) [1] فكيف يصح أن نجعل الطير بمعنى الهدهد؛ لأنَّه كيف يصح أن يكون المعنى: وتعرَّف الهدهد فلم يجد فيها الهدهد.
وقد جعل الطير في الوجه الثالث بمعنى الطائر بعينه، وجعله في الوجه الثامن بمعنى: سائر الطيور، والمعنى واحد
ومما لا شك فيه أنَّ ما ذكره الدأمغاني يُعدُّ من أنواع الطير، والوجوه الحقيقية هي التي لا تكون علاقتها باللفظ علاقة الشيء بأنواعه، والطير اسم جنس يطلَق على كل ذي جناح، وكل نوع من أنواعه يُسمَّى طيرًا؛ لأنَّ أنواعه معان خاصة تدخل ضمن معناه العام، وقد اتخذ أصحاب كتب الوجوه مما جاز تسميته بالطير وجوهًا للطير، وهذه التسمية وإن جازت لم تكن مرادة، ومع ذلك فلو صحت إرادتها فهي وجوه مختلقة عن طريق دراستها دراسة معكوسة، فالقرآن الكريم لم يسمِّ الطير بالهدهد، والخفاش، وما أتى من قبل البحر، والطاووس والديك والغراب والبط، والدجاج والدراج، كما فعل مَن هو مِن أصحاب كتب الوجوه، وإنَّما سمَّى كل نوع من هذه الأنواع بالطير؛ لأنَّ كلَّ نوع منها تتمثل فيه دلالته؛ ولأنَّ الخاص يوصف ويُسمَّى بالعام ولا يوصف ويُسمَّى العام بالخاص، فهي إذن جميعها وجه واحد، والحقيقة أنَّ الطير أينما ورد في القرآن الكريم أريد به الطير بعينه وجعلها في شاهد كل وجه بمعنى نوع من أنواعه تحريف لدلالته؛ لأنَّه لو أريد واحد من أنواعه لذكره بلقظه
(1) أنوار التنزيل 4/ 157.