جعلوا (الأذى) في الوجه الأول بمعنى: الحرام في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) والأذى من لوازم الحرام، فالله سبحانه وتعالى ما حرَّم علينا شيئًا إلاَّ ما كان فيه أذى لنا، فقد أراد من الأذى الأذى بعينه وليس معنى الحرام؛ بل الحرام ذكره بعد ذكر الأذى قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ) {البقرة: 222} فتأمَّل أنَّ القرآن الكريم بعد أن ذكر أنَّ المحيض أذى، تلاه بذكر تحريمه بالاعتزال وعدم التقرب، وقد تقدم قول الراغب في هذه الآية: (( فسُمِّي ذلك أذى باعتبار الشرع وباعتبار الطب على حسب ما يذكره أصحاب هذه الصناعة ) ) [1] ولذلك لم يذكر ابن الجوزي وجه الحرام، بل جعله بمعنى: ما يؤذي الإنسان وقال: (( أي: يؤذي المجامع بنتن ريحه ونجاسته، وقال أبو سليمان الدمشقي: يورث جماع الحائض علة في فرج الرجل مبلغة في الألم، قيل: إنَّها تشقيق يلحق الفرج لا يكاد يخلص منه سريعًا ) ) [2]
وجعلوا الأذى في الوجه الثاني بمعنى: القمل في قوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ) والقمل نوع من الأذى والقرآن الكريم أراد هذا النوع وغيره، أي: كل ما يؤذي الرأس، وقصره على القمل تحريف لدلالته وتحويله من معناه العام المراد إلى معنى خاص لم يكن مرادًا وحده، قال الطبري: (( وأمَّا الأذى الذي يكون إذا كان برأس الإنسان خاصة له حلقه، فنحو الصداع والشقيقة وما أشبه ذلك، وأن يكثر صئبان الرأس، وكل ما كان
(1) المفردات ص 19.
(2) نزهة الأعين ص 54.