يعني الخوف نفسه الذي تسببه هذه الأمور أو الخوف من حدوثها، فهذه الأمور ونحوها ليست أوجهًا للخوف وإنَّما هي من مسبِّباته، والخوف ليس واحدًا منها وإنَّما هو أحد لوازمها، هذه هي العلاقة بينهما، وقد بيَّنها العسكري بقوله: (( قال الله:(فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ) يعني: الحرب، وسماها خوفًا لما فيها من الخوف، كما تسمى الحرب روعًا لما فيها من الروع، والروع والخوف سواء )) [1]
وقد جعل أهل الوجوه الخوف في الوجه الثالث بمعنى العلم في قوله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا) وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ) وقوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا) وقوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) وقوله تعالى: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) والعلم في هذه الآيات ونحوها ليس وجهًا للخوف وإنَّما هو أحد مسبِّباته؛ لأنَّ من علم مثلًا حدود الله وعواقب من يتعداها خاف الوقوع فيها، فالمراد من الخوف في هذه الآيات ونحوها الخوف بعينه، وابن الجوزي نفسه الذي عيَّن جعل الخوف بمعنى العلم في هذه الآيات في كتابيه النزهة والمنتخب [2] لم يعينه في تفسيره، بل أجاز أن يكون بمعنى الخوف نفسه [3] فالفرق بيِّن بين الخوف والعلم ولا يصح أن يكون أحدهما وجهًا
(1) الوجوه والنظائر ص 146.
(2) ينظر: نزهة الأعين ص 117 ومنتخب قرة العيون ص 106
(3) ينظر: زاد المسير 1/ 158، 2/ 7، 2/ 131، 3/ 35.