كان التفكير إلى وقت قريب بضرورة العلم، وبدراسة تأثيرات العلم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية، ومكانته في تقدم الحياة نفسها، وقد انشغل السياسيون وقادة المجتمع والفكر بفوائد العلم حتى قال نهرو، أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال جازمًا: «لا وجود في المستقبل إلا للعلم، ولكل من يناصر العلم» أما العلماء فيعبر عنهم عالم الكيمياء المعروف ماكس بيروتز بأن العلم وحده هو السبيل لإبقاء الطبيعة والحضارة مزدهرتين. [1]
غير السؤال الضاغط الآن، هو كيف نواكب التطور المتسارع لعصر التكنولوجيا الرقمية؟ وتزداد ضغوط هذا التطور في المجالات التربوية، وصلة ذلك بالتنوير والعقل والأخلاق من جهة، وانتشار التضليل والتزييف وإيديولوجيا الاتصال المخادعة وتسطيح المعرفة من جهة أخرى. إن هذا الاستخدام الواسع للتكنولوجيا الرقمية يصير في أحايين كثيرة إلى نتائج تربوية قاسية على الأطفال والناشئة، من السطحية والسرعة والهزل و «صبينة» ، الأفراد وتلقينهم الاستغباء ومجانبة الفكر النقدي والجبرية الجديدة وتزييف الوعي واستهلاكية المعرفة [2] إلى تلاشي البعد الأخلاقي والإنساني للوجود برمته، حين تستبدل الكلمة بالصورة ثم بالرقم بعد ذلك، وهو تحد تربوي بالدرجة الأولى.
3 ـ 3 ـ قلق الهوية:
(1) أنظر على سبيل المثال كتابًا ذا دلالة في هذا الموضوع لعالم الكيمياء ماكس بيروتز: «ضرورة العلم، دراسات في العلم والعلماء» ، (ترجمة وائل أتاسي ود. بسام معصراني، مراجعة د. عدنان حموي) ، عالم المعرفة، العدد 245، أيار 1999، ص 11.
(2) أنظر تعبيرًا عن هذه التحديات مقالات الصادق رابح في جريدة «الشرق الأوسط» (لندن) ، الأعداد: 7603 (22/ 9/1999) ، 7620 (9/ 10/1999) ، 7660 (18/ 10/1999) ، 7645 (3/ 11/1999) .