فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 328

ظهر مفهوم التبعية في إطار الاقتصاد في الستينيات، تفسيرًا للتخلف الذي اتسم به اقتصاد بلدان العالم الثالث، مما طرح، في المقابل، ضرورات النمو المتسارع للوتائر الاقتصادية (مشمولة فيما بعد بالوتائر الاجتماعية والسياسية، وهي التي اصطلح على تسميتها بالتنمية) ، غير أن هذا النمو، وتلك التنمية، كونها مندمجة في الاقتصاد العالمي، شاءت أو أبت، وهو اقتصاد المركز المتقدم، الأمريكي والأوروبي، أو الدولة الصناعية، أو دول الشمال، جعل اقتصادها يخدم الاقتصاد العالمي، أو ما عرف باسم التنمية الموجهة للخارج، وقوامها تغذية المركز بالمواد والخامات والنفط، وتصريف منتجات المركز. وهذا هو مفهوم التبعية، بدأ اقتصاديًا، ثم ما لبث أن امتد إلى المجالات الكونية الآخرى، مع تحول العالم نفسه إلى قرية صغيرة كونية، بفضل استفحال تأثير سلطات العصر التي أشرنا إليها، ولاسيما الاتصالات والمال والاقتصاد والمعلوماتية. إذن صار هناك مركز متبوع، وأطراف أو هوامش تابعة، وقد تنبه الكثيرون لخطل هذه التنمية الموجهة إلى الخارج إنها تفاقم خطر التبعية، بعزل التنمية عن أبعادها الشاملة والمتكاملة والمستقلة، إذ أغفلت أبعاد التنمية الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تضمن الهوية الثقافية والاستقلال السياسي ومواءمة الخيارات لخصوصياتها التاريخية والبيئية والاجتماعية والحضارية. وكلما فشلت تجربة تنموية، وما أكثرها، انزلقت سريعة إلى مهاوي التبعية، لأن من شروط التنمية الناجحة شمولها وتساوقها مع التنمية الثقافية والاجتماعية من جهة، واستقلاليتها من جهة أخرى.

وغني عن القول بعد ذلك، إن التبعية الثقافية والإعلامية أخطر من التبعية الاقتصادية، لأن الأولى نتجه إلى رهن الإرادة القومية والوطنية بما فيه استتباع القرار القومي والوطني، التي ينبغي أن يكون مستقلًا، للهيمنة المركز، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

1 ـ 3 ـ التغريب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت