فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 4665

عامة وقد وقعت الإشارة في حديث بن عَبَّاسٍ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْعُمُومِ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِهِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى انتهى

وإنما قال إن حديث بن عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِهِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ انْتَهَى

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت يارسول اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا فَقَالَ أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهُ كَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ

[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] كالمنقول عن بن عَبَّاس سَوَاء فَلَا تَعَارُض بَيْن رَأْيهَا وَرِوَايَتهَا

وَبِهَذَا يَظْهَر اِتِّفَاق الرِّوَايَات فِي هَذَا الْبَاب وَمُوَافَقَة فَتَاوِي الصَّحَابَة لَهَا وَهُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيل وَالْقِيَاس لِأَنَّ النَّذْر لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْع وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ الْعَبْد عَلَى نَفْسه فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْن الَّذِي اِسْتَدَانَهُ وَلِهَذَا شَبَّهَهُ النَّبِيّ صَلَّى الله عليه وسلم بالدين في حديث بن عباس

والمسؤول عَنْهُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ صَوْم نَذْر وَالدَّيْن تَدْخُلهُ النِّيَابَة

وَأَمَّا الصَّوْم الَّذِي فَرَضَهُ اللَّه عَلَيْهِ اِبْتِدَاء فَهُوَ أَحَد أَرْكَان الْإِسْلَام

فَلَا يَدْخُلهُ النِّيَابَة بِحَالٍ كَمَا لَا يَدْخُل الصَّلَاة وَالشَّهَادَتَيْنِ

فَإِنَّ الْمَقْصُود مِنْهَا طَاعَة الْعَبْد بِنَفْسِهِ وَقِيَامه بِحَقِّ الْعُبُودِيَّة الَّتِي خُلِقَ لَهَا وَأُمِرَ بِهَا

وَهَذَا أَمْر لَا يُؤَدِّيه عَنْهُ غَيْره كَمَا لَا يُسْلِم عَنْهُ غَيْره وَلَا يُصَلِّي عَنْهُ غَيْره

وَهَكَذَا مَنْ تَرَك الْحَجّ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ تَرَك الزَّكَاة فَلَمْ يُخْرِجهَا حَتَّى مَاتَ

فَإِنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيل وَقَوَاعِد الشَّرْع أَنَّ فِعْلَهُمَا عَنْهُ بَعْد الموت لا يبرىء ذِمَّتَهُ

وَلَا يُقْبَل مِنْهُ

وَالْحَقّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع

وَسِرّ الْفَرْق أَنَّ النَّذْر اِلْتِزَام الْمُكَلَّف لِمَا شَغَلَ بِهِ ذِمَّته لَا أَنَّ الشَّارِع أَلْزَمهُ بِهِ اِبْتِدَاء فَهُوَ أَخَفّ حُكْمًا مِمَّا جَعَلَهُ الشَّارِع حَقًّا لَهُ عَلَيْهِ شَاءَ أَمْ أَبَى وَالذِّمَّة تَسَعُ الْمَقْدُور عَلَيْهِ وَالْمَعْجُوز عَنْهُ وَلِهَذَا تَقْبَل أَنْ يَشْغَلهَا الْمُكَلَّف بِمَا لَا قُدْرَة لَهُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ وَاجِبَات الشَّرْع

فَإِنَّهَا عَلَى قَدْر طَاقَة الْبَدَن لَا تَجِبُ عَلَى عاجز

فواجب الذمة أَوْسَعَ مِنْ وَاجِب الشَّرْع الْأَصْلِيّ لِأَنَّ الْمُكَلَّف مُتِمّكُنَّ مِنْ إِيجَاب وَاجِبَات وَاسِعَة وَطَرِيق أَدَاء وَاجِبهَا أَوْسَعَ مِنْ طَرِيق أَدَاء وَاجِب الشَّرْع

فَلَا يَلْزَم مِنْ دُخُول النِّيَابَة فِي وَاجِبهَا بَعْد الْمَوْت دُخُولهَا فِي وَاجِب الشَّرْع

وَهَذَا يُبَيِّن أَنَّ الصَّحَابَة أَفْقَهُ الْخَلْق وَأَعْمَقهمْ عِلْمًا وَأُعْرَفُهُمْ بِأَسْرَارِ الشَّرْع وَمَقَاصِده وَحِكَمِهِ

وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت