فهرس الكتاب

الصفحة 1701 من 4665

وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ قَدْ بَدَّلَتْ أَشْهُرَ الْحَرَامِ وَقَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أَوْقَاتَهَا مِنْ أَجْلِ النَّسِيءِ الَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما الْآيَةَ وَمَعْنَى النَّسِيءِ تَأْخِيرُ رَجَبٍ إِلَى شَعْبَانَ وَالْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرٍ وَأَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَسَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخَّرْتُهُ وَمِنْهُ النَّسِيئَةُ فِي الْبَيْعِ وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الدِّينِ تَعْظِيمُ هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ فِيهَا عَنِ الْقِتَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَيَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَى أَنْ تَنْصَرِمَ هَذِهِ الْأَشْهُرُ وَيَخْرُجُوا إِلَى أَشْهُرِ الْحِلِّ فَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِلُّونَ الْقِتَالَ فِيهَا وَكَانَ قَبَائِلُ مِنْهُمْ يَسْتَبِيحُونَهَا فَإِذَا قَاتَلُوا فِي شَهْرِ حَرَامٍ حَرَّمُوا مَكَانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ فَيَقُولُونَ نَسَأْنَا الشَّهْرَ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى اخْتَلَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ حِسَابُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَكَانُوا رُبَّمَا يحجون في بعض السنن في شهر ويحجون في بعض السنن فِي شَهْرٍ وَيَحُجُّونَ مِنْ قَابِلٍ فِي شَهْرٍ غيره إلى كَانَ الْعَامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَادَفَ حَجُّهُمْ شَهْرَ الْحَجِّ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ ذُو الْحِجَّةِ فَوَقَفَ بِعَرَفَةَ الْيَوْمَ التَّاسِعَ مِنْهُ ثُمَّ خَطَبَهُمْ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أشهرالحج قَدْ تَنَاسَخَتْ بِاسْتِدَارَةِ الزَّمَانِ وَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى الْأَصْلِ الَّذِي وَضَعَ اللَّهُ حِسَابَ الْأَشْهُرِ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَبَدَّلَ أَوْ يَتَغَيَّرَ فِيمَا يُسْتَأْنَفُ مِنَ الْأَيَّامِ

فَهَذَا تَفْسِيرُهُ وَمَعْنَاهُ انْتَهَى كَلَامُهُ (السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى

قَالَهُ الطِّيبِيُّ (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) قَالَ تَعَالَى فلا تظلموا فيهن أنفسكم أَيْ بِهَتْكِ حُرْمَتِهَا وَارْتِكَابِ حَرَامِهَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُقَاتَلَةِ فِيهَا مَنْسُوخَةٌ وَيُؤَيِّدُ النَّسْخَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَاصَرَ الطَّائِفَ وَغَزَا هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ في شوال وذي القعدة (ثلاث) أي ليالي (مُتَوَالِيَاتٌ) أَيْ مُتَتَابِعَاتٌ اعْتَبَرَ ابْتِدَاءَ الشُّهُورِ مِنَ اللَّيَالِي فَحُذِفَتِ التَّاءُ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَرَجَبُ مُضَرَ) إِنَّمَا أَضَافَ الشَّهْرَ إِلَى مُضَرَ لِأَنَّهَا تُشَدِّدُ فِي تَحْرِيمِ رَجَبٍ وَتُحَافِظُ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ مُحَافَظَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ فَأُضِيفَ الشَّهْرُ إِلَيْهِمْ بِهَذَا الْمَعْنَى (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَوْكِيدِ الْبَيَانِ كَمَا قَالَ فِي أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ

فَإِذَا لَمْ يَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ومعلوم أن بن اللَّبُونِ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَكَرًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا نَسُوا رَجَبًا وَحَوَّلُوهُ عَنْ مَوْضِعِهِ وَسَمَّوْا بِهِ بَعْضَ الشُّهُورِ الْأُخَرِ فَنَحَلُوهُ اسْمَهُ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَجَبًا هَذَا الشَّهْرُ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ لَا مَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ رَجَبًا عَلَى حِسَابِ النَّسِيءِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْحَدِيثُ سكت عنه المنذري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت