وحجة القول الأول قوله تعالى: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم} الآية، فخص عهد الله بالتقدمة على سائر الأيمان، فدل على تأكيد الحلف به، ولذلك قال إبراهيم: كانوا ينهونا عن الحلف بالعهد، وليس ذلك إلا لغلظ اليمين به وخشية التقصير في الوفاء به، وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله} الآية [التوبة: 75] ، فذمهم على ترك الوفاء.
وقال ابن القصار: مما احتج به قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] ، فأمر بالوفاء ثم بعهده ثم عطف بقوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} ، ولم يتقدم غير العهد، فعلمنا أنه يمين مؤكد. واختلف في اليمين الغموس هل فيه كفارة؟ وفي الآية حجة
لقول الجمهور من العلماء في أن الكفارة فيها؛ لأنه تعالى ذكر في هذه اليمين المقصود بها الحنث والعصيان والعقوبة والإثم، ولم يذكر فيها الكفارة. فدل ذلك على أن ليس فيها كفارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من حلف على يمين صبر يقتطع بها من مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غصبان ) ).
وقال سعيد ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.
(85) - قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} .
اختلف الناس في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ وليس في هذه الآية دليل على أحد القولين. ونبه تعالى بهذه الآية على أنه لا يقبل من آدمي غير دين الإسلام، وهو دين كل من سمى الأنبياء قبل هذه الآية. وهي الحنيفية السمحة،
كذا قال جماعة من المفسرين. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله تعالى له: (( حجهم يا محمد ) )، وأنزل عليه: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا} [آل عمران: 96] ، فحج المسلمون وقعد الكفار. وذكر عن ابن عباس أنه قال: نزلت {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله: {ولا هم يحزنون} [البقرة: 62] ، ثم أنزل الله تعالى بعدها: {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه} الآية [آل عمران: 85] .