وقد اختلف أهل العلم في ذلك. قال في المغني: وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحد عليه ، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة وبهذا قال عطاء ، والحسن ، والشافعي ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي. وقال مالك ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو ثور ، وابن المنذر عليه الحد لعموم الآية ، ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى.
وأظهر القولين دليلاً: أنه لا يحد الوالد لولده لعموم قوله: {وبالوالدين إِحْسَاناً} [البقرة: 83] [النساء: 36] ، [الإنعام: 151] ، [الإسراء: 23] وقوله {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ} [الإسراء: 23] فلا ينبغي للولد أن يطلب حد والده للتشفي منه ، وقول المالكية في هذه المسألة في غاية الإشكال ، لأنهم يقولون: إن الولد يمكن من حد والده القاذف له وأنه يعد بحده له فاسفاً بالعقوق كما قال خليل في مختصرة وله حد أبيه وفسق ، ومعلوم أن الفسق لا يكون إلا بارتكاب كبيرة ، والشرع لا يمكن أحداً من ارتكاب كبيرة. كما ترى مع أن الروايات عن مالك نفسه ظاهرها عدم الحد وقاله غير واحد من أهل مذهبه.
المسألة السادسة والعشرون: في حكم من قتل أو أصاب حداً خارج الحرم ، ثم لجأ إلى الحرم هل يستوفي منه الحق في الحرم ، أو لا يستوفي منه حتى يخرج من الحرم؟
اعلم أن هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يستوفي منه الحق قصاصاً كان أو أحداً قتلاً كان أو غيره.
الثاني: أنه لا يستوفي منه حد ولا قصاص ما دام في الحرم سواء كان قتيلاً أو غيره.
الثالث: أنه يستوفي منه كل شيء من الحدود إلا القتل ، فإنه لا يقتل في الحرم في حد كالرجم ، ولا في قصاص والخلاف في هذه المسألة مشهور عند أهل العلم.
قال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من جنى جناية توجب جناية قتلاً خارج الحرم ، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه ، وهذا قول ابن عباس: وعطاء ، وعبيد بن عمير ، والزهري ، وإسحاق ومجاهد ، والشعبي ، وأبي حنيف وأصحابه.