فلا تأمنن الحي قيسا فانهم بنو محصنات لو تدنس حجورها
وإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوى رماني
فقوله رماني بأمر: يعني أنه رماه بالكلام القبيح ، وفي شعر امرئ القيس أو غيره:
وجرح اللسان كجرح اليد
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات:
الجهة الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله: {يَرْمُونَ المحصنات} هو الرمي بالزنى ، أو ما يستلزمه كنفي النسب ، كما أوضحناه قريباً.
الجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى ، ولكن الله جل وعلا بيّن أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية ، وأنه إن لم يأت بالشهداء ، تلاعنا ، وذلك في قوله تعالى: {والذين يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} [النور: 6] الآية.
ومضمونها: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه ، والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به ، فإنه يشهد شهادات يقول في كل واحدة منها: أشهد بالله إني لصادق فيما رميتها به من الزنى ، ثم يقول في الخامسة: عليَّ لعنة الله إن كنت كاذباً عليها فيما رميتها به ، ويرتفع عند الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات.
وتشهد هي أربع شهادات بالله تقول في كل واحدة منها: أشهد بالله أنه لكاذب فيما رماني به من الزنى ، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليَّ إن كان صادقاً فيما رماني به من الزنى ، كما هو واضح من نص الآية.