ركب المعصية خلَافاً للَّهِ، وكل من خالف اللَّه في أمره فلم يَرَهُ وَاجِباً عليه
كافر بإجماع، لو ترك تارك صلاةً قال إنها لا تجب كان كافراً بإِجماع الأمة.
فأعلم اللَّه جل ثناؤُه أن معصية إبليس معصية معانَدَة وكفر، وقد أعلم الله أنه من الكافرين فقال: (إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) .
فَالْفَصْلُ بين معصية إبليس ومعصيةِ آدمَ وحَوَّاءَ أنَّ إبليس عاند وأقام ولم
يتب، وأن آدم وحواءَ اعترفا بالذنب وقالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) .
ومثل"أَلَّا"في قوله: (أَلَّا تَسْجُدَ) قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)
أي: لأن يعلم أهل الكتاب، وقول الشاعر:
ابى جودُه لاَ البخل واستعجلت به... نعم من فتى لا يمنع الجوعَ قاتله
قالوا معناه أبى جودُه البخلَ.
وقال أبو عمرو بنُ العلاءِ: الروَايَةُ أبى جوده البخل.
واستعجلت به"نَعَمْ"، والذي قاله أبو عمرو حسن، المعنى أبى جوده"لا"
التي تُبخل الإِنسان، كأنَّه إِذا قيل: لا تسرف ولا تبذر مالك أبى جودُه"لا"
هذه، واِستعجلت به"نعم"، فقال: نعم أفعل ولا أترك الجودَ.
وهذان القولان في البيت هما قولا العلماء، وأرى فيه وجهاً آخر وهو
عندي حسن. أرى أن تكون"لا"غير لغو، وأن يكون البخل منصوباً بدلاً من"لا".
المعنى أبى جوده البُخْلَ واستعجلت به"نعم".
وموضع"ما"في قوله: (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) رفع، المعنى أي شيء
منعك في السجود، فلم يقل منعني كذا وكذا فأتى بالشيء في معنى الجواب.
ولفظه غير جواب، لأن قوله: (أنَا خَيرٌ مِنْهُ) في معنى منعني من السجود
فَضلى عَلَيْه. ومثل هذا في الجواب أن يَقول الرجل كيف كنت، فَيَقولُ: أنا
صالح، وإنما الجواب كنت صحالحاً، ولكن المعنى إنَّه قد أجابه بما احتاج إليه