وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسَلْمان الفارسيّ وأبو هريرة أيضاً: المعنى وإن أَكَل ؛ فإذا أَكَل الجارحُ كلباً كان أو فَهْداً أو طيراً أُكِل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلاَّ بَضْعة ؛ وهذا قول مالك وجميع أصحابه ، وهو القول الثاني للشافعي ، وهو القياس.
وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما حديث عدِيّ في الكلب المعلَّم:"وإذا أَكَل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه"أخرجه مسلم.
الثاني حديث"أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب:"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكُلْ وإن أكل منه وكُلْ ما رَدَّت عليك يدُك""أخرجه أبو داود وروِي عن عدِيّ ولا يصح ؛ والصحيح عنه حديث مسلم ؛ ولما تعارضت الروايتان رَامَ بعض أصحابنا وغيرهم الجمع بينهما فحملوا حديث النهي على التنزيه والورع ، وحديث الإباحة على الجواز ، وقالوا: إن عَدِيّاً كان موسَّعاً عليه فأفتاه النبيّ صلى الله عليه وسلم بالكف ورعاً ، وأبا ثَعْلَبَة كان محتاجاً فأفتاه بالجواز ؛ والله أعلم.
وقد دَلّ على صحة هذا التأويل"قوله عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث عدِيّ:"فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه""هذا تأويل علمائنا.
وقال أبو عمر في كتاب"الاستذكار": وقد عارض حديث عدِي هذا حديث أبي ثعلبة ، والظاهر أن حديث أبي ثعلبة ناسخ له ؛ فقوله: وإن أكل يا رسول الله؟ قال:"وإن أكل".
قلت: هذا فيه نظر ؛ لأن التاريخ مجهول ؛ والجمع بين الحديثين أولى ما لم يُعلَم التاريخ ؛ والله أعلم.
وأما أصحاب الشافعيّ فقالوا: إن كان الأكل عن فَرْط جُوع من الكلب أكل وإلاَّ لم يُؤكل ؛ فإن ذلك من سوء تعليمه.