وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً ؛ وبه قال إسحاق بن رَاهْوَيَه ؛ فأما عوامّ أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب مُعلَّم.
أما من مَنَع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم:"الكلب الأسود شيطان"أخرجه مسلم.
احتج الجمهور بعموم الآية ، واحتجوا أيضاً في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول ، وبما خرجه الترمذي"عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال:"ما أمسك عليك فكُلْ""في إسناده مُجَالِد ولا يُعرف إلاَّ من جهته وهو ضعيف.
وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتّى من الكلب يتأتى من الفهد مثلاً فلا فارق إلاَّ فيما لا مدخل له في التأثير ؛ وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المدية والأمَة على العبد ، وقد تقدّم.
السادسة وإذا تقرّر هذا فاعلم أنه لا بدّ للصائد أن يقصد عند الإرسال التذكية والإباحة ، وهذا لا يُختلَف فيه ؛ لقوله عليه السَّلام:"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكُلْ"وهذا يقتضي النية والتسمية ؛ فلو قصد مع ذلك اللَّهْو فكرهه مالك وأجازه ابن عبد الحكم ، وهو ظاهر قول الليث: ما رأيتُ حقاً أشبه بباطل منه ، يعني الصّيد ؛ فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام ؛ لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلاَّ لمأكلة.
وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بدّ منها بالقول عند الإرسال ؛ لقوله:"وذكرتَ اسم الله"فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد ؛ وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث.
وذهبت جماعة من أصحابنا وغيرهم إلى أنه يجوز أكل ما صاده المسلم وذبحه وإن ترك التسمية عمداً ؛ وحَمَلوا الأمر بالتّسمية على النّدْب.