وقول الله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} دليل على أن الذي أحلها ، جعل التحليل لها في التسخير بدليل أن الحبل إن التف حول رقبة جاموسة أو رقبة خروف وقبل أن يختنق نجد الحيوان يمد رقبته ، فيقول الناس: لقد طلب الحلال ، فنادوا الجزار . وكأنه - وهو الحيوان - يطلب الذبح لينتفع الناس به ، وكأنه يحس بالخسارة إن ضاع لحمه بلا فائدة ، وهذا دليل على أنه مذلل ، أما الحيوان غير المحلل فمن العجيب أنه لو حدث معه ذلك لما مد رقبته .
والأنعام هي المذكورة في قوله الحق: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين} [الأنعام: 143]
وكذلك قول الرحمن: {وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين} [الأنعام: 144]
إنها ثمانية أزواج ؛ ثم ألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم الظباء وحمر الوحش ، ولم يحرم إلا كل ذي ذنب كالسباع وكل ذي مخلب من الطير ، ولو لم يقيد الله هذا التحليل لانصرف بدون قيد ، ولأسأنا إلى أنفسنا بأكل الميتة والموقوذة والمتردية ، ولكن الحق أنقذنا من ذلك وحرم علينا تلك الأشياء الضارة .
{يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود} إذن فمن حق الله عليكم أيها المؤمنون أن توفوا بالعقود ؛ لأنه قدم لكم الكون بكل أجناسه وكل عناصره لخدمتكم . وأحلّ أقرب الأجناس إلى الإنسان لما فيه من حياة وحس وحركة ، فيقول: {غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} ولو لم يضع الحق ذلك التشريع لأكَل الإنسان - وهو مُحْرِمٌ - بهيمة الأنعام ، وقد حرم سبحانه الصيد في اثناء الإحرام ، وكذلك في حمى الحرم . والحَرَم - كما نعلم - مركزه الكعبة ، وحول الكعبة المسجد .