ووقف العلماء عند"بهيمة الأنعام". وفي اللغة العربية نجد صيغة"فعيل"التي تأتي بمعنى"فاعل"وتأتي بمعنى"مفعول"، مثلما نقول"الله رحيم"أي أنه راحم ؛ هو"فاعل"، ونقول"فلان قتيل"أي مقتول أي مفعول به . و"بهيمة الأنعام"هنا تأتي بأي معنى ، أهي بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟ ، و"بهيمة"إن نظرنا إلى أنّها مبهمة ؛ لأن أمورها مجهولة يصعب إدراكها علينا ولا نعرف حركتها أو إشارتها أو لغاتها التي تتفاهم بها فتكون فعيلة بمعنى مفعولة . وتصلح أن تكون فعيلة بمعنى فاعل ؛ لأنها لا تفهم ، ونحن المبهمون عليها . ونقول: هي محكومة بالتسخير .
ولم يصنف الإنسان طعامها وهو العلف إلا بعد أن رآها وهي سائبة حرة تتجه إلى العلف لتأكله ، إذن فهي التي علمت الإنسان صنف علومها . فلا يقولن إنسان: إنها بهيمة لا تفهم ، وليعرف أنها لم تخلق لتفهم مسائل الإنسان ، لأنها مسخرة له وقد يتعلم هو منها .
ودليلنا أن الله امتن على بعض المصطفين من خلقه بأن علمهم منطق الطير ، فقد حزّ في نفس الهدهد أن رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله ، وهو الطائر فقد فهم أن السجود لا يكون إلاّ لله الواحد القهار لا للشمس ، وهكذا نرى الإنسان يتعلم الكثير من أخلاق الحيوانات وعاداتها ؛ ولذلك نجد هواة تربية الحيوانات يتعرفون على طعام هذه الحيوانات بعد أن يتتبعوها ويعرفوا ماذا تأكل ، وعن أي شي تبتعد ، والفلاح يقدم البرسيم للجاموس ولا يقدم له النعناع ؛ لأنه رأى الجاموس وهو حرّ لا يأكل النعناع بل يأكل البرسيم ، وقال الحق على لسان النمل: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} [النمل: 18]
نحن إذن الذين لا نفهم لغة النمل ، ونجد البهيمة محكومة بالغريزة ، لكن الإنسان يملك العقل ، لكنه يغطي عقله بالهوى .