وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمنون عند شروطهم"وقال:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط"فبيّن أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي دين الله ؛ فإن ظهر فيها ما يخالف رُدّ ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ"ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان لشرفه ونسبه فتعاقدوا وتعاهدوا على ألاَّ يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُردَّ عليه مظلمتُه ؛ فسمتْ قريشٌ ذلك الحِلْف حِلْفَ الفُضُول ، وهو الذي قال فيه الرّسول صلى الله عليه وسلم:"لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ما أحب أن لي به حُمْر النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجَبْتُ"وهذا الحِلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام:"وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدَّةً"لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ؛ فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله.
قال ابن إسحاق: تحامل الوليدُ بن عُتبة على الحسين ابن عليّ في مال له لسلطان الوليد: فإنه كان أميراً على المدينة فقال له الحسين: أحلِفُ بالله لتُنصفَنِّي من حقي أو لآخذنّ بسيفي ثم لأقومنّ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعونّ بحِلف الفضول.
قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذنّ بسيفي ثم لأقومنّ معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعاً ؛ وبلغت المِسْوَر بن مَخْرَمة فقال مثل ذلك ؛ وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التَّيْميّ فقال مثل ذلك ؛ فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه.