فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 434

اختلاق الوجوه بحجة السياق: بلغت الألفاظ التي عدَّها أصحاب كتب الوجوه من الألفاظ المشتركة، وجعلوا لكل لفظ منها وجهين أو أكثر، مئات الألفاظ، فقد تضمن كتاب الوجوه والنظائر للدامغاني وحده حوالي ستمئة لفظ، ولو سألت كل باحث استند إلى هذه الكتب، وجعلها أحد مصادره، كيف تعرَّف أصحابها إلى هذه الوجوه لقال من دون تردد: إنَّهم تعرَّفوا إليها من خلال السياق، ومن المفيد أن أعيد هنا ما ذكرته في كتابيَّ السابقين ما له علاقة بموضوع هذه الطريقة من ذلك ما قلته عن العلاقة بين دلالة اللفظ والسياق، فقد شاع لدى أصحاب الدراسات الدلالية أنَّ السياق هو الذي يحدد دلالة اللفظ، وهو الذي أمدَّ كل لفظ من الألفاظ التي اشتملت عليها كتب الوجوه بالأوجه المتعددة، وقد قرأت في إحدى الأطاريح كلامًا، فاتني أن أنقل مصدره، مفاده: أنَّ اللفظ بمفرده ليس له دلالة محددة ومعيَّنة، بل تتحدد وتتعيَّن دلالة كل لفظ من خلال السياق، وهذا وهْمٌ وفكر خطر؛ لأنَّه يؤدي إلى إلغاء الدلالة الموضوعة للألفاظ التي أثبتتها كتب المعاجم اللغوية، وفي ذلك هدم للغة العربية؛ لأنَّ هذه اللغة قد حُفظت ودُوِّنت في هذه المعاجم، ولأنَّه لا بد من أن تكون هناك للمفردات ثوابت دلالية حاسمة، لا يصح بحجة السياق التجاوز عليها؛ وإلا حدثت الفوضى وضاعت المعايير؛ لأنَّ السياق واد فسيح مفتوح لا حدود له، لا يمكن ضبطه إلاَّ بالرجوع إلى هذه الثوابت؛ فإذا ربطنا دلالة اللفظ به فحسب، تعددت دلالات كل لفظ بما لا يمكن التحكم على حصرها في عدد معين، ولاختلفت معانيها بين سياق وسياق، كما حصل هذا في كتب الوجوه، وفي كتب حروف المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت