فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 434

لا يطعمون فيها بردًا يُبَرِّد حر السعير عنهم إلاَّ الغساق، ولا شرابًا يرويهم من شدة العطش الذي بهم إلا الحميم )) [1]

وجَعَلَ الشرب في الوجه الخامس بمعنى الماء في قوله تعالى: (( كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) وكيف يعقل قصر شربهم على الماء وهم في جنات فيها ما تشتهي نفوسهم وما طاب ولذَّ من أنواع الشراب والطعام؟! وجعل الشراب في الوجه السادس بمعنى حبِّ الشيء في قوله تعالى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) وهذا تعبير عن شدة حبِّ المرء للشيء وتمكنه من نفسه، فجعل مثل هذا الحب كشراب دخل في جوف شاربه وتغلغل وانتشر في عروقه، فجعل الشراب بمعنى حُبِّ الشيء يدخل في باب المجاز لا في باب الوجوه، والعسل، والزنجبيل والسلسبيل، والحميم، والماء ونحوها هي من أنواع الشراب وليست من وجوهه، والشراب اسم جنس يُطلَق على ما يُشرَب، فهو لفظ عام، واسم كل شراب لفظ خاص يدخل ضمن هذ المعنى العام، واللفظ الخاص يُسمَّى باللفظ العام، ولا يصح العكس، وقد اتخذ أصحاب كتب الوجوه مما جاز تسميته بالشراب أوجهًا للشراب، وهذه التسميات وإن جازت لم تكن مرادة، ومع ذلك فلو صحت إرادتها فهي وجوه مختلقة عن طريق دراستها دراسة معكوسة، فالقرآن الكريم لم يسمِّ الشراب، بالعسل، والزنجبيل والسلسبيل، والحميم، والماء ونحوها كما فعل مَن هو مِن أصحاب كتب الوجوه، وإنَّما سمَّى كل نوع من هذه الأنواع من الأشربة بالشراب؛ لأنَّ كلَّ نوع منها تتمثل فيه دلالته؛ ولأنَّ الخاص يوصف بالعام ولا يوصف العام بالخاص، فهي إذن جميعها وجه

(1) جامع البيان 30/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت