ولقد التزم سعدُ بن أبي وقَّاص باجتناب الفِتنة، وعمِل بوصية النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فعند أبي داودَ عن حسين بن عبدالرحمن الأشجعي أنه سمع سعدَ بن أبي وقَّاص يقول عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( إنها ستكون فتنةٌ؛ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائمُ خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي ) )، قال: أفرأيت إن دخَل عليَّ بيتي وبسَط يدَه إليَّ ليقتلَني؟ قال: (( كنْ كابني آدمَ ) ) [1] ؛ أي مثل ابني آدم، المظلوم قال لأخيه الظالم: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] ، وعن حُذَيفةَ بن اليمان قال:"ما أحدٌ من الناس تدركُه الفتنة إلا أنا أخافُها عليه، إلا محمد بن مَسلَمة؛ فإنِّي سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا تضرُّك الفتنةُ ) ) [2] ."
فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام أمَر المسلمين في زمن حدوث الفتنة بالاعتزال، أو باتخاذ غَنَم في الجبالِ؛ فعند البخاريِّ عن أبي سعيدٍ الخُدري قال: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( يوشِكُ أن يكونَ خيرَ مالِ المسلم غنمٌ يتبَعُ بها شعف الجبال، ومواقعَ القَطْر، يفرُّ بدِينه من الفِتَن ) ).
وعند أبي داود ومسلم من حديثِ أبي بَكْرة قال: (( إنها ستكون فتنةٌ، يكون المضطجعُ فيها خيرًا من الجالس، والجالس خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي ) )، قالوا: يا رسول الله، ما تأمُرُنا؟ قال: (( من كانت له إبلٌ، فليلحَقْ بإبله، ومن كانت له غَنَمٌ فليلحق بغَنَمه، ومن كانت له أرضٌ فليلحَقْ بأرضه ) )، قال: فمن لم يكن له شيءٌ من ذلك؟ قال: (( يعمِدُ إلى سيفه، فيضربُ بحدِّه على حَرَّة، ثم لْيَنْجُ ما استطاع النَّجاء ) ) [3] .
أي: يضرب حدَّه على حجرٍ صَلْد ليفلَّه؛ حتى لا يقاتلَ به.
كما أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الفِتنة أن يتَّخذ سيفٌ من خشب؛ ليمسك المسلمُ عن القتال فلا يقاتل؛ فعند الترمذيِّ عن عديسة بنت أهبان قال: جاء عليٌّ إلى أبي فدعاه إلى الخروج معه، فقال له: إن خليلي وابنَ عمِّك عهِد إليَّ إذا اختلفت الناسُ أن أتخذَ سيفًا من خشب، فقد اتخذتُه، فإن شئتَ خرجتُ به معك، فترَكه"."
(1) ) المصدر نفسه 7464، وهو صحيح.
(2) ) رواه أبو داود، وهو صحيح.
(3) ) جامع الأصول، رقم 7459.