غلامًا، فقال: وأين هو؟ قالوا: هو هذا، فقام فصلَّى ودعا، ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بأصبعه، فقال: بالله يا غلام، مَن أبوك؟ فقال: أنا ابن الراعي، فوثَبوا إلى جريج فجعلوا يقبِّلونه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهبٍ، قال: لا حاجة لي في ذلك، ابنوها من طينٍ كما كانت )) ، وكان هذا بسبب دعاءِ أمه عليه؛ ففي رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( كان في بني إسرائيل رجلٌ يقال له: جريج، كان يتعبَّد في صومعته، فأتته أمُّه ذات يوم فنادته، فقالت: أيْ جُريجُ، أي بني، أشرِفْ علي أكلمك، أنا أمك، أشرِفْ عليَّ، فقال: أي ربِّ، صلاتي وأمي، فأقبَل على صلاته، ثم عادت فنادته مرارًا، فقالت: أيْ جريجُ، أي بنيَّ، أشرِفْ عليَّ، فقال: أي ربِّ، صلاتي وأمي، فأقبَل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمِتْه حتى تريه المومسة - أي المرأة الزانية ) ) [1] ، ثم كان من أمرِه أن اتُّهم بالزنا، فبرأه الله؛ حيث أنطق اللهُ الغلام، وذكَر اسم الراعي الذي فعَل الفاحشة بها.
وهذه القصةُ تُبيِّن مدى استجابة دعاء الله للأمِّ في ولدها إن عقَّها، حتى في هذا العابد، لولا أن تداركه اللهُ بلطفه؛ ليريه مدى مقدار برِّ أمه.
المتوكل على الله هو الخليفة العباسي العاشر، قتَله ولده محمد المنتصر ليتولَّى الخلافة بعده، فتآمر عليه مع القادة والطامعين، ثم أدخلهم عليه فقتَلوه، ثم بايعوا ولدَه بالخلافة، ولما تم له ذلك لَم يهنَأْ بالخلافة بعد فَعلته النكراء، لقد مات بعد ذلك بستة أشهر، قيل: رأى في المنام والده فقام وهو يبكي وينتحب، فسمِعه عبدالله بن البازيار فأتاه فسأله عن سببِ بكائه، فقال: كنت نائمًا فرأيتُ - فيما يرى النائم - كأن المتوكلَ قد جاءني فقال: ويحك، يا محمد قتَلتَني وظلمتني، وغبَنْتَني خلافتي، والله لا متعتَ بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرك إلى النار، فقال له عبدالله: هذه رؤيا قد تصدق وقد تكذب، بل يُعمِّرك الله ويسرُّك، لكن المنتصر ظل متأثرًا منكسرًا إلى أن توفي، وكان السبب المباشر لوفاته أن جاءته الذبحةُ في حلقه، وقيل: كانت علتُه من ورم في معدته، ثم صعِد إلى فؤاده، فمات، جرى ذلك له في ثلاثة أيام، مات ولم يجاوز الخامسة والعشرين، وهذا من أعظم الإثم؛ حيثُ جمَع بين القتل والعقوق، وكلاهما جريمتانِ كبيرتان، وفي التاريخ قصص مشابِهة، وفي هذه العبرة كفاية لكل ذي لبٍّ وقلب.
(1) هذه القصص نقلًا عن ابن كثير - البداية والنهاية، ص 120 ج 2.