الله صلى الله عليه وسلم [1] ، وفي الموطأِ عن الزبير بن العوام، أنه لقي رجلًا قد أخَذ سارقًا وهو يريد أن يذهَبَ به إلى السلطان، فشفع له الزبيرُ ليرسله، فقال: لا، حتى أبلغَ به السلطان، فقال الزبيرُ: إنما الشفاعةُ قبل أن يبلغ إلى السلطان، فإذا بلغ إليه، فقد لُعِن الشافع والمشفع [2] .
علِمْنا أن الآية السابقة: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] ، هي توجيهٌ للسلطان بتنفيذ القِصاص والحدود الموجبة للقتل ممن يستحق ذلك، وهي نتيجة لارتكاب موجب القتل، أو العدوان الموجب للقتل، فما موقفُ الإسلام من هذا العدوان ابتداءً؟ قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] ، وقال أيضًا: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] ، فإلى جانبِ العذاب المعَدِّ له في الآخرة لجريمته، فإنه استوجب في الدنيا القِصاصَ، ولقد اختلف الفقهاءُ في حُكم توبة القاتل، هل تُقبَل أم لا؟
ففي المسألة قولان: إن توبتَه لا تُقبَل للآية السابقة؛ {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] ، وهي مِن آخر ما نزَل، ولم ينسَخْها شيء.
وفي قولِ أكثر أهل العلم: أن توبتَه مقبولة؛ قال في المغني: ولنا قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فجعَله داخلًا في المشيئة، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53] ، وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( إن رجلًا قتَل مائةَ رجل ظلمًا، ثم سأل: هل له من توبة؟ فدُلَّ على عالِم، فسأَله فقال: ومن يحُولُ بينك وبين التوبة، ولكن اخرُجْ من قرية السوء إلى القريةِ الصالحة، فاعبُدِ الله فيها، فخرَج تائبًا، فأدرَكه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب، فبعَث الله إليهم ملَكًا، فقال: قِيسوا ما بين القريتينِ، فإلى أيَّتِهما كان أقربَ، فاجعَلوه من أهلها، فوجدوه أقربَ إلى القريةِ الصالحة بشِبْرٍ، فجعَلوه من أهلها ) ).
ولأن التوبةَ تصحُّ من الكفر، فمن القتل أَولى، والآية محمولةٌ على مَن لَم يتُبْ، أو على أن هذا جزاؤُه إن جازاه، وله العفو إذا شاء؛ اهـ كلام المغني.
(1) ) المصدر نفسه 1930.
(2) ) المصدر نفسه 1929، وهو حسن.