قلت: وهذا مجرَّب أيضًا، خصوصًا مع النساء، فلو دخَل رجل المطبخ ورأى زوجته تطبخ، ثم كال لها المدحَ الزائد - وهي تطبخ - في طيب طعامها، وتحسينه وتذويقه، وأنها من أحسنِ طاهيات العالم إتقانًا، لاحترق في ذلك الوقت طعامُها، أو لكان مالِحًا، أو لكسرت طبقًا، أو أكثر ... ، فليحذرِ الإنسان من المدح المبالَغِ فيه، فإنه يقطَعُ الأعناق فعلًا.
ومن المديحِ المتجاوز للحد ما يفعلُه الشعراءُ حين يمدَحون الملوك وأهل الجاه والسلطان، ويبالغون في المديح مبالغةً تُخرِجهم عن أمانة الكلمة؛ كما فعل ابن هانئ الأندلسي في مدح المعزِّ الفاطمي حيث رفَعه مرة للألوهية، وأخرى لمقام النبوَّة.
لما استُخلِف عمر بن عبدالعزيز وفد عليه الشعراءُ، فأقاموا ببابه أيامًا لا يؤذَنُ لهم، فدخل عليه عدي بن أرطاة فكلَّم بهم أمير المؤمنين، فقال: يا عديُّ، ما لي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين، إن رسولَ الله قد مُدِح وأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم، قال: مَن مدحه؟ قال: عباس بن مرداس، فكساه حُلَّة قطع بها لسانه، قال: صدقتَ، فمن بالباب؟ قال: ابنُ عمك عمر بن أبي ربيعة القرشي، قال: لا قرَّب الله قرابته، ولا حيَّا وجهه، ثم ذكر له أبياتًا، منها:
ويا ليتَ سلمى في القبور ضجيعتي = هنالك أو في جنَّة أو جهنَّم
ثم قيل له: جميل بن معمر، فقال: أليس القائل:
ألا ليتنا نحيا جميعًا وإن نمت = يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحَها
والله لا يدخُلُ أبدًا، ثم قيل له: كُثَيِّر عزَّة، فقال: أليس هو القائل:
رهبانُ مَدْيَنَ والذين عهدتهم = يبكون مِن حذَرِ الفِراق قعودَا
لو يسمَعون كما سمعتُ حديثها = خرُّوا لعزَّة ركَّعًا وسجودَا
أبعده الله، فوالله لا يدخل أبدًا، ثم قيل له: الأحوص، فقال: لا دخَل أبدًا، وقد أفسد على رجلٍ من أهل المدينة جاريته حتى هرب بها:
الله بيني وبين سيدها = يفرُّ عني بها وأتبع
ثم منع الفرزدق ومنع الأخطل، وأذِن لجرير؛ لأنه القائل:
طرقَتْكَ صائدةُ القلوب وليس ذا = وقتَ الزيارة فارجعي بسلام
فدخل جرير وهو ينشد:
إن الذي بعَث النبي محمَّدًا = جعَل الخلافةَ في إمامٍ عادلِ
فلما مثُل بين يديه قال: يا جرير، اتَّقِ الله ولا تقُلْ إلا حقًّا، ثم أنشد: