وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [التوبة: 1، 2] ، فأعطاهم أربعةَ أشهرٍ مهلةً، ثم ينفسخ العهد، فلم يُلْغِ ما تعاهدوا عليه بتًّا وقطعًا، وإلا كان هذا من الغدر، فإذا انقضتِ المهلةُ كانوا في حِلٍّ من عهدهم، وجاز للمسلمين قتالُهم، ومع ذلك استثنى المعاهَدينَ الذين حافَظوا على العهد ولم ينقضوه، فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4] ، وعلى هذه الآية تكون البراءةُ ممَّن نقَض العهد أو غدر، فإنه أعطي - رغم ذلك - أربعةَ أشهر فسحة؛ ليتدبَّرَ أمره، وحتى لا يقول: إن المسلمينَ غدَروا به، أما الذين حافَظوا على المعاهدة، فإن اللهَ أمر بالوفاء لهم بالعهد، وهذه شريعة المسلمين، يحافظون بكل قوةٍ على العهد، ويُوفُون لمن عاهدوه، فإذا كان النقضُ كان من طرَف الأعداءِ؛ قال تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 8] ، وقال أيضًا: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 10] ؛ أي: لا يُراعُون في مؤمنٍ عهدًا ولا ذمة ولا أمانًا؛ فهم المعتَدون دومًا، وأكَّد على نكثِهم للعهود في آية أخرى، فقال: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: 12] ، فوصَف غدرهم، فهم لا عهدَ عندهم ولا أيمانَ يوثقون بها عهدَهم؛ لأنهم كفَّار، فقاتِلوهم حتى ينتَهوا من ضلالِهم.
وقد وصَفهم الله بما يستحقُّون، فقال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} [الأنفال: 55، 56] ، وكانت المفارَقة الكبيرة بين أهل الكفر وأهل الإيمان، هي بالوفاء بالعهد، فقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] .
عن العِرباضِ بن ساريةَ قال: نزَلْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم خيبرَ - ومعه من معه من أصحابه - وكان صاحبُ خيبرَ رجلًا ماردًا منكَرًا، فأقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، ألكم أن تذبحوا حُمُرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضرِبوا نساءنا؟ فغضب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (( يا بن عوفٍ، اركَبْ فرسك، ثم نادِ: إن الجنةَ لا تحل إلا لمؤمنٍ، وأنِ اجتمعوا للصلاة ) )، قال: فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ثم قام فقال: (( أيحسب أحدكم - متَّكئًا على أريكته - قد يظن أن اللهَ لم يحرِّمْ شيئًا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا إني والله، لقد وعظتُ وأمرتُ ونهيتُ عن أشياء، إنها لَمِثل القرآن أو أكثر، وإن الله لم يحلَّ