"مَتْرس"، يقول: لا تخف، فإذا أدرَكه قتله، والذي نفسي بيده، لا أعلَمُ مكانَ أحَدٍ فعل ذلك إلا ضربتُ عنقه" [1] ، فهذا تهديد للجندي المسلم الذي يسلُكُ سلوك الغادرين ويقول للعدو الفارِّ الذي أصبَح في أعلى الجبل أو في حصنٍ منيع: انزل لا تخَفْ ويؤمِّنه، ثم إذا نزَل قتَله، فأقسم عمر أنه سيقتُلُ مَن يفعل هذا من جنودِ المسلِمين، كما أن هذا الفعلَ يجعَلُهم يفرُّون ولا يستسلمون، وكلمة"مترس"فارسية بمعنى: لا تخَفْ."
لقد كان عليه الصلاة والسلام يبتعدُ عن أي فعل قد يؤوَّل أنه نقضٌ للعهد أو فيه غدر؛ فعن أبي رافع قال: بعثتني قريشٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجعُ إليهم أبدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبِسُ البُرُد، ولكنِ ارجِعْ، فإن كان في نفسِك الذي في نفسِك الآن، فارجِعْ ) )، قال: فذهبتُ، ثم أتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأسلمت" [2] ، ومعنى"لا أخيس": لا أنقض، والبُرُد: جمع بريد، وهو الرسول الوارد إليه ليبلِّغَه رسالة الخَصم، وهنا في الحديث، لم يقبلِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم انضمامَ أبي رافع إليه؛ لأنه أتى بعهد، ولو قبِل ذلك لقالت قريش كلامًا كثيرًا في هذا الشأن: هدَّده فأسلم، أو حبَسه فأسلم، وكانت ستفعل ذلك بمبعوثِ المسلمين، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أراد أن ترى قريشٌ فِعْلَ أبي رافع عِيانًا، يرجع إليها بنتيجة المباحثات ثم يعودُ مسلِمًا بحريته واختياره، فلا يُتَّهم المسلمون بقَسْرِه على ذلك؛ لأنه وقَع في أيديهم."
ولقد كان التهديدُ بالغًا لمن يعاهد ثم يغدر، سواءٌ كان هذا بالنسبة للأشخاص أو بالنسبة لوليِّ أمر المسلمين أو قائدِهم؛ ففي البخاريِّ ومسلمٍ عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن قتَل معاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة، وإن ريحَها يُوجَد من مسيرةِ أربعين عامًا ) ) [3] .
وفي الموطَّأ أن عبدالله بن عباس قال:"ما ختَر قومٌ بالعهد إلا سُلِّط عليهم العدو"، والخَتْر بمعنى: الغَدْر.
(1) جامع الأصول 1142.
(2) جامع الأصول 1140.
(3) جامع الأصول 1137.