24]، ولَمَّا وصل حالهم إلى الكفر، وقتلِ الأنبياء، سلَّط الله عليهم ذلاًّ وتشردًا إلى يوم القيامة؛ قال الله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] ، وتذكُر كتبُ التاريخ المِحَن التي تعرَّض لها اليهود؛ ففي سنة 586 قبل الميلاد غزاهم"بختنصر"، واستولى على بيت المقدس، ودمر الهيكل، وتشرَّدوا، وفرَّ قسم منهم إلى اليمن، وفي سنة 70 ميلادي دمر"تيتوس"الروماني أورشليم القدس، وتفرَّق اليهود، وفي ما بين سنوات (117 - 138) أيام حكم الإمبراطور الروماني"هدريان"مر اليهودُ بأقسى المحن وأشدِّها؛ حيث قُضِي على اليهود ككيان سياسي في فلسطين، وغُيِّر اسم المدينة المقدسة"القدس"إلى"إيليا"، وحُوِّل المعبد اليهودي إلى معبد روماني، سماه"جوبيتر"، وبِيعت النساءُ اليهوديات إِماءً، وضاع اليهود في غياهب التاريخ، ومن هؤلاء يهودُ يثرب، وهؤلاء أيضًا، أخرجهم المسلمونَ من المدينة بعد أن استفحَل شرُّهم، وظهر للعيان كفرُهم.
كل هذا القهرِ والضياع والذل كان بسبب كُفرهم، فأصبحوا الشعبَ البغيض في كل مكان بعد أن كانوا الشعبَ المفضَّل على العالَمين.
والنصارى حرَّفوا دين عيسى عليه السلام الذي أتاهم به من عند الله؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] .
وهذه المُساءَلة من الله تعالى لعيسى عليه السلام تُبيِّن أن قومَه هم الذين بدَّلوا وحرفوا في دعوة عيسى عليه السلام، وأن عيسى عليه السلام أقرَّ بأنه أخبرهم بالذي أخبره اللهُ به، بأن الله واحدٌ لا شريك له، وهذا مبيَّنٌ في خطابه لقومه: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 117] ، وقال لهم أيضًا: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم: 30] ، وقال لهم أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران: 51] ، فماذا ادَّعوا هم كذبًا وافتراءً؟!