بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [المائدة: 64] .
فأيُّ شيء أكبر عند الله مِن أن يجعلوا له شريكًا أو ولدًا أو ندًّا؟!
أو أن ينتقصوا من صفاته، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
ولقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الطريق الذي يجب أن يسلكه أهل الكتاب ليكونوا على هدى، فقال: (( والذي نفسُ محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمِنْ بالذي أرسلتُ به إلا كان من أصحاب النارِ ) ) [1] ، وبالمقابل فقد أجزل الثواب لأهل الكتاب إذا آمنوا، ففي الحديث الذي يرويه مسلم قال: (( ثلاثةٌ يؤتَوْن أجرَهم مرتين، رجلٌ من أهل الكتاب آمَن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمَن به واتبعه وصدقه، فله أجران، وعبدٌ مملوكٌ أدَّى حق الله تعالى وحقَّ سيده، فله أجران، ورجلٌ كانت له أمَةٌ فغذاها فأحسن غِذاءها، ثم أدَّبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوَّجها، فله أجرانِ ) ) [2] .
لكن طبيعة اليهودي تأبى أن تكونَ سوية إلا ما ندر منهم، فلو تتبعنا تاريخَهم منذ بعث موسى رسولًا إليهم إلى بقيتهم من يهود المدينة، لَرأيناهم يحُومون مرارًا حول الشرك، ويقعون فيه، فبعد نجاتهم من فرعونِ مِصْرَ، وعبورهم البحر، رأَوا أقوامًا يعكُفون على أصنام لهم فقالوا لنبيهم: {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] ، ولَمَّا وعَظهم وبين لهم خطأ ما يقولون، وأن هؤلاء الذين يعكفون على الأصنام في درجة منحطة من التفكير: {إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139] ؛ أي: مكسَّر ما هم فيه، ومهلِك لهم، أما أنتم فتَسْمُون عليهم بعلمكم وعبادتكم لله الواحد، ولكن هذا لم يُفِدْهم شيئًا، بل استغلوا فرصة غيابِه لتلقِّي الألواح، فصنَعوا عِجلًا وعبدوه، كما أنهم لم يكونوا أهلَ صبر في الدعوة، فنَفَسُهم في ذلك قصير، يرضَوْن بالذل والعبودية تحت أقسى الظروف وأشدِّها تأثيرًا على الدِّين والعِرض، وعلى البَذْل والجهاد والتحمُّل؛ قال الله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128] ، فقالوا لموسى: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129] .
ولما طلَب منهم قتال أهل أريحا، ليفتحوا البلد، ويكونوا عليها سادة، رفَضوا ذلك: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:
(1) ) رواه مسلم ج 2 ص 186.
(2) ) رواه مسلم 188 ج 2.