وقد سأَل ناس عبدَالله بن عمر رضي الله عنهما فقالوا:"إننا ندخُل على سلاطيننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم، قال: كنا نعُدُّ هذا نِفاقًا على عهد رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم" [1] .
سأل كعبُ الأحبار عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أن يسمَح له بقراءة التوراة، فقال عمر: إنْ كنتَ تعلَم أنها التي أنزلت على موسى فافعَلْ، فسكت كعبٌ.
وهذا يدل على أن التوراةَ قد دخَلها التحريف باعترافهم؛ فاليهودُ لم يكونوا أمناءَ على كتاب الله، فقد خانوا الأمانةَ، وقد اشتهروا في هذا العمل؛ قال الله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [النساء: 46] ، وعن ابن عباس في قوله: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46] قال: تبديلُ اليهود التوراة، وفي رواية أخرى: يغيِّرون حدودَ الله في التوراة، وهي آيةُ الرجم للزاني المحصَن، فكانوا قد بدَّلوا كتابَ الله الذي بأيديهم من الأمر بالرَّجْم لِمَن أحصن منهم، فحرَّفوه، واصطَلحوا فيما بينهم على الجلد مائةَ جلدة، والتحميم - أي: تسخيم الوجهِ بالسواد - والإركاب على حمارين مقلوبين - أي: الزناة، وجههم للخلف - فلما وقَع الزنا بين رجلٍ وامرأة من اليهود بعد هجرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قالوا: تعالَوْا حتى نتحاكمَ إلى محمد؛ فإن حكَم بالجلد والتحميم والإركاب، فخُذوا عنه، واجعَلوه حجةً بينكم وبين الله، وإن حكَم بالرجم فلا تتبعوه، ولما جاؤوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ما تجدون في التوراة في شأن الرَّجم؟ فقالوا: نفضَحُهم ويُجلَدون، قال عبدالله بن سلاَم: كذَبْتُم؛ إن فيها الرجمَ، فأتوا بالتوراة، فنشَروها، فوضَع أحدهم يده على آية الرجم، فقرَأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبدالله بن سلام: ارفَعْ يدك، فرفَع يده، فإذا آيةُ الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمَر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرُجِما"، وهذا لفظ البخاري، ولعل الروايةَ الثانية تبيِّنُ مدى تغييرِهم الحُكْم رسميًّا؛ فعن أبي هريرة قال: فأتَوُا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقولُ في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلِّمْهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم فقام على الباب فقال: (( أنشدكم باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدونَ في التوراة على مَن زنى إذا أحصن ) )، قالوا: يحمَّم ويُجبه ويجلد، والتجبية: أن يحمل الزانيان على"
(1) رواه البخاري.