مثل قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ، فـ:"لا"هنا زائدة، وقوله تعالى: {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70] .
والخلاصة في: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] كما ذكر في أهم الأقوال اعتبار:
1 -"أن"مفسرة و"لا"ناهية، ولهم الحق في ذلك؛ لأن شروط أنِ المفسرة مستوفاة في هذا المقام [1] ، ولو استبدلت"أن"بـ:"أي"؛ لأنها بمنزلتها - لكان السياقُ مقبولًا؛ أي لا تُشركوا به شيئًا، وعليه تكون"لا"ناهية.
2 -اعتبار"أنْ"حرفًا مصدريًّا ناصبًا، و"لا"زائدة؛ ليكون التحريمُ منصبًّا على الشرك، فما فائدة"لا"طالما أنها زائدة؟
أقول: إن الزوائد كلها تفيد التوكيد، و"لا"في هذه الآية وأمثالها تفيد توكيدَ نفي الشرك، وهذا أسلوبٌ بليغ من أساليب العرب، ألا ترى خطاب الله تعالى وتعنيفه لإبليس بقوله: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] أقوى وأبلغ في بيان امتناعه عن السجود فيما لو قال له: ما منعك أن تسجد، فالأُولى أبلغ؛ حيث فيها بيانُ نفي السجود، وفيها كما قال الزمخشري ينجرُّ معنى آخر مع التوكيد، كالتعنيف مثلًا.
وكذلك في الزوائد الأخرى، ففي أداة الاستثناء عندما تصبح استثناء مفرغًا مُلغًى، فإنه يبقى فيها التوكيدُ والمعنى البلاغي، فقولنا:"محمد رسول الله"، تختلفُ في المعنى البلاغي والتوكيد عن {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران: 144] ، فإنها أفادت الحصرَ وتوكيد النبوة.
الشرك بالله من أكبر الكبائر، بل هو أكبرُها على الإطلاق؛ قال الله تعالى: (( يا ابن آدمَ، إنك ما دعوتَني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدمَ، لو بلغت ذنوبُك عَنان السماء، ثم استغفرتَني غفرتُ لك، يا ابن آدمَ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتَني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتُك بقرابها مغفرةً ) ) [2] ، في هذا يتبين أن الشركَ من أكبر الكبائر، ولا ينفع معه عمل صالح، ولقد كان مدارُ القرآن المكي تقبيحَ الشرك، وذمَّه، وحربه بلا هوادة، والعمل على الدعوة إلى الإيمان بالله وحده، حتى إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يذكر سواه في مكة، وسعى في دعوتِه لنيل الاعتراف بالتوحيد، والانسلاخ عن الشرك؛ لأنه إن تمَّ له ذلك، فإن المهتديَ إلى الله يقبَلُ بعدها كلَّ مطالب الإيمان، وقصتُه مع أبي طالب توضِّحُ ذلك، ففي صحيح مسلم:
(1) ) راجع مغني اللبيب في شروط"أن"المفسرة.
(2) ) رواه الترمذي وقال: حديث حَسَن صحيح.