فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 156

الجحود أعمى قلبَه وتفكيره، كما قررنا ذلك من قبلُ، فنطق بالعناد، وخلع من قلبه طاعة الله وطاعة والده، فكان جوابه: {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 43] ، وظل قلبُ الوالد مع ابنه، إنه يأمُل ويأمل أن يهديَه الله ليكون من الناجين، وتوسل نوحٌ إلى ربه: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45] ، ولم يهدَأْ نوح إلا بعد أن حسَم اللهُ الأمر، وبيَّن كفر ولدِه، وأنه غيرُ صالح؛ {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] .

ولقد روى القرآنُ الكريم أيضًا قصة الولد العاق الذي خيَّب أمل والديه بكُفره وعقوقه، وكانا يأملان منه أن يكون مؤمنًا قويًّا في إيمانه، فيكون قرة عين والديه؛ قال الله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17] ، وفي سورة الكهف قتَل الخَضِر الولد العاق الكافر؛ خشيةَ أن يفتن والديه؛ قال تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] ، ثم قبل انصراف موسى ومفارقته للخضر بيَّن له الخضِرُ سبب قتله الولد؛ قال تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: 80، 81] ، ومِن العقوق أيضًا التسبُّب في شَتْم الوالدين؛ ففي الحديث الشريفِ في البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن من الكبائر شَتْمَ الرجل والديه ) )، قال: وهل يشتمُ الرجل والديه؟ قال: (( نعم، يسُبُّ الرجلُ أبا الرجلِ وأمَّه، فيسُبُّ أباه وأمَّه ) ) [1] .

عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( لَم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى ابن مريم، قال: وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له: جُرَيج، فابتنى صومعة، وتعبَّد فيها، قال: فذكَر بنو إسرائيل عبادة جُرَيج، فقالت بغيٌّ منهم: لئن شئتم لأفتننَّه، فقالوا: قد شئنا ذاك، قال: فأتَتْه، فتعرَّضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسَها من راعٍ كان يُؤوي غنَمَه إلى أصل صومعة جريج، فحمَلت، فولدت غلامًا، فقالوا: ممن؟ قالت: من جُريج، فأتَوْه فاستنزلوه، فشتموه وضربوه وهدَموا صومعته، فقال: ما شأنُكم؟ قالوا: إنك زنيتَ بهذه البغي فولدت

(1) جامع الأصول 628 ج 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت