ورَدَت أخبار كثيرة في هذا المعنى يقوِّي بعضها بعضًا، كما وردت أحاديثُ عن فضل تلاوتها، فليراجعها من شاء في التفاسير المطولة، مثل:"تفسير ابن كثير - وفتح القدير ...".
أما التحقيقُ حول ما ورد في الأحاديث من أنها نزلت جملةً واحدة في مكة؛ أي إن كل آياتها مكِّية، فلا يمنع أن يُحمَل هذا على الأكثر؛ فآياتها مائة وخمس وستون آية، والآيات الست أو الثلاث قليلة إذا قِيست بالعدد الكلي، وعليه فما ورد من أحاديثَ تفيد بنزولها جملة واحدة لا يعدو أن يكون للتغليب، وذكر النحاس في تاريخه عن ابن عباس قال:"سورة الأنعام نزلت بمكة جملةً واحدة؛ فهي مكية إلا ثلاثَ آيات منها نزَلْن بالمدينة: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] إلى تمام الآياتِ الثلاث".
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"في الأنعام آياتٌ محكَمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] "الآيات، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال:"من أراد أن ينظرَ إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمُه، فليقرأ هؤلاء الآيات: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] "، ويروي الحاكم من حديث يزيد بن هارون عن عبادةَ بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( أيُّكم يبايعني على ثلاث؟ ) )، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] حتى فرَغ من الآيات، (( فمن وفَّى، فأجرُه على الله، ومن انتقص منهن شيئًا، فأدركه اللهُ به في الدنيا، كانت عقوبته، ومن أُخِّر إلى الآخرة، فأمرُه إلى الله، إن شاء عذَّبه، وإن شاء عفا عنه"، وقال: صحيح الإسناد."
وجاء في تفسير الكشاف للزمخشري:"وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هذه الآيات محكَمات لم ينسَخْهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أمُّ الكتاب، مَن عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفسُ كعب بيده، إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة"؛ فهي وصيةُ الأنبياء لأمَمِهم، وقد ذكر الشوكاني في فتح القدير هذا:"لم يزَلْ كل نبي يوصي بها أمَّتَه"، وعن كعب الأحبار قال: أول ما أنزل في التوراة عشرُ آيات، وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] ، قال الشوكاني: هي الوصايا العشرُ التي في التوراة، وأولها:"أنا الربُّ إلَهُك، الذي أخرجك من أرض مِصْرَ من بيت العبودية، لا يكُنْ لك إلهٌ آخرُ غيري، ومنها: أكرِمْ أباك وأمك؛ ليطولَ عمرك"