ثم حدِّثْ عن قلبه الواعي المستنير بعد أن أصبَح خليفة، كيف وجَّه الجيوش إلى الفتح، وكيف استشاره قادتُه قبل خوض المعارك، وفي حصار المُدُن، فأرسل لهم تعليماتِه التي كانت فَتْحًا؛ ففي حصار مدينةِ حَلَب - على سبيل المثال - فتح المسلمون المدينةَ، واستعصت عليهم القلعةُ، وامتد الحصارُ طويلًا، فأرسل إليه قائدُ جيوشه أبو عُبَيدة رضي الله عنه رسالةً يستشيره في تركِ حصارها، والمضيِّ إلى غيرها، فكان جوابه:"لقد ورَد كتابك عليَّ، فسرَّني ما فتح الله على يديك، وأما ما ذكرتَه من انصرافك إلى البلاد التي تلي حلب وإنطاكية، وتَرْكِ القلعة ومَن فيها - فهذا رأي غيرُ صواب، تترك رجلًا قد دنوتَ من دياره، وملكتَ مدينته، ثم ترحلُ، فيبلغ إلى جميع النواحي أنك لم تقدِرْ عليه، فيطمع بك أجنادُ الرُّوم" [1] .
وقد كان يتابع أخبارَ قادته، لا يغيب عن ذهنه واحد منهم رغم كثرتهم، وقد ذكر أصحاب التاريخ [2] قصة سارية بن زنيم الدؤلي؛ حيث بعَثه عمر على رأس جيش إلى"فسا ودارا بجرد"فحاصرهم، ثم إنهم تداعَوا، فأصحروا له، وكثُروا، فأتَوْه من كل جانب، فقال عمر وهو يخطب في يوم جمعة: يا ساريةُ الجبلَ الجبل! وكان إلى جانبِ المسلمين جبلٌ، إن لجؤوا إليه لم يُأْتَوا إلا من جهة واحدة، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوا عدوَّهم فهزموهم، وأرسل ساريةُ مَن يحمل الغنائم لعمر، وسأل أهلُ المدينة حامل الرسالة والغنائم عن سارية وعن الفتح، وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة؟ فقال: نعم سمعنا:"يا ساريةُ، الجبلَ"، وقد كدنا نهلِكُ، فلجأنا إليه، ففتَح الله علينا.
هذا ما حصل من صحابة رسول الله، وفيمن كان قبْلنا فيهم المثل أيضًا.
هذا الرجل الذي آمَن بالله إيمانًا حقًّا، فشرح الله صدره، وهداه للخير، فكان ناصحًا أمينًا يصدُر رأيُه عن قلب واعٍ مستنير، امتلأ إيمانًا، ففاض يضيء ما حوله، وفي سورة غافر خبرُ ذلك الرجل المؤمن؛ قال الله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 26، 27] ؛ ففرعون يقودُه قلبه المظلم إلى الجريمة؛ فهو يرفض المنطقَ والبراهين، ويعتمد على القَهر والبطش، لكن مؤمن آل فرعون يُدلي بدَلْوه ويَنصح؛ قال الله تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي
(1) ) فتوح الشام للواقدي.
(2) ) تاريخ الأمم والملوك للطبري ص 178 ج 4 في خبر فتح فسا ودارا بجرد.