فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 156

سعيد: دعني أصلِّي ركعتين، فاستقبَل القبلة وهو يقول: إني وجهتُ وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، قال الحجاج: اصرفوه عن القِبلة، قال سعيد: فأينما تولوا فثمَّ وجهُ الله، إن اللهَ واسع عليم، قال الحجاج: لم نوكَلْ بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر، قال سعيد: اللهم لا تُسلِّطْه على أحد يقتله بعدي، ثم ضُرِبت عنقه.

ويروى أن دمَه فار حتى ملأ الغرفة وامتد إلى ما تحت كرسي الحجاج، فخاف الحجاجُ وبدأ يهذي فقال: القيد، القيود، فظن الحراسُ أنه يريد القيد الذي في أرجلِ سعيدٍ، فقطعوا ساقيه بالسيوف واستخرجوا القيود، وحُمَّ الحجاجُ بعدها، ولم يعِشْ أكثر من أربعين يومًا، وكان قبل موته يقول: ما لي ولابن جبير، متندمًا على ما فعل.

كان رجلٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم من الأنصار، يكنى أبا معلق، وكان تاجرًا يتَّجِر بمال له ولغيره، يضرب به في الآفاق، وكان ناسكًا ورِعًا، فخرج مرة فلقيه لصٌّ مقنع بالسلاح، فقال له: ضَعْ ما معك، فإني قاتلُك، قال: شأنك بالمال، قال: لست أريد إلا دمَك، أما المال فإنه لي، قال: أما إذا أبيتَ، فذَرْني أصلي أربع ركعات، قال: صل ما بدا لك، فتوضأ ثم صلى أربع ركعات، فكان من دعائه في آخر سجدة أن قال:"يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعالًا لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبمُلكك الذي لا يضامُ، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك: أن تكفيَني شر هذا اللص، يا مغيثُ، أغثني، يا مغيثُ، أغِثْني ثلاث مرات، فإذا هو بفارس أقبل، بيده حربة قد وضعها بين أذني فرسه، فلما بصر به اللص أقبل نحوه، فطعنه فقتله، ثم أقبل إليه - إلى أبي معلق - فقال: قُمْ، فقال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله بك اليوم، فقال: أنا ملَك من أهل السماء الرابعة، دعوتَ بدعائك، فسمعت لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجة، ثم دعوتَ بدعائك الثالث فقيل لي: دعاء مكروبٍ، فسألت الله أن يوليني قتلَه، قال الحسن: فمن توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء، استُجيب له؛ مكروبًا كان أو غيرَ مكروب" [1] .

قال عمر بن عبدالعزيز للوليدِ بن عبدالملك: إن عنده نصيحةً، فإذا خلا لك عقلك، واجتمع فهمك، فسَلْني عنها .. فمكث أيامًا، ثم قال: يا غلامُ، من بالباب؟ فقال له: ناسٌ فيهم عمر بن عبدالعزيز، فقال: أدخِلْه، فدخل عليه فقال: نصيحتك يا أبا حفص، فقال عمر: إنه ليس بعد

(1) ) ابن قيم الجوزية في الجواب الكافي ص 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت