الأرباح، فجمَع التجار وأهل السوق، وطلَب منهم أن يعوِّضوه المال الذي دفعه للصلح، وعدَّ نفسه منقذًا للبلد، وطلب منهم أن يعطوه عشر الأرباح، فرَضُوا، وعيَّن عليهم عشَّارًا ليضبط الأرباح، فاجتمع له في أربعين يومًا مال عظيم، فطمِع وجمعهم، وطلب الرُّبع فضجُّوا، ووقعت بينه وبينهم حرب، فقتَلوه وقتلوا أتباعه، وضجَّت البلدة، فسمع جند المسلمين وهم خارج الأسوار الضجيج، فقالوا لرافعٍ: أما تسمع أصوات هؤلاء القوم؟ قال: سمعتُ، وما عسى أن أصنع بهم، لا يحل لنا الدخولُ إليهم، وبهذا جرى الشرط بيننا وبينهم، ونحن أحقُّ مَن أوفى بعهد الله، فإن خرَجوا إلينا وأعلَمونا نظَرْنا في أمورِهم، ثم خرج أهلُ بعلبك يُهرَعون إليه، واستنجدوا به، وأعلَموه بقصتهم، فقال: إنا لا نمكِّنُه من ذلك، فقالوا: إنا قتلناه، فقال رافع: فما الذي تريدونه؟ فقالوا: نريد أن تدخلوا إلى المدينة؛ فإنا قد أطلقنا لكم الدخولَ إليها.
فقال رافع: لا أقدرُ حتى أستأذن أبا عبيدة، فإن أذِن لي دخلتُ، ثم كتب رافع إلى أبي عبيدة بذلك، فأجابه: إن أذِنوا لكم فادخُلوا، فدخلوها وأصلحوا شأن الناس.
فهذا مثالٌ للوفاء بالعهد، حدَث في صدر الإسلام، والمثل الثاني حصل في العصر الأوسط في زمن صلاح الدين الأيوبي؛ فإنه لما حصر القدس، وضيَّق عليها، وعلم من فيها أنهم لن يستطيعوا المقاومة، طلبوا الصلح والأمان، فأمَّنهم صلاحُ الدين، وفرض عليهم لقاء ذلك مبلغًا قدره: عشرة دنانير عن الرجل، وخمسة عن المرأة، وديناران عن كل صغير، وأمهلهم أربعين يومًا، ثم خرَج الأغنياء بأموالهم، ولم يؤدُّوا عن الفقراء، بل ترَكوهم لعفو صلاح الدين، وخرج البطرك بالعربات المحمَّلة بالذهب والنفائس، ولم يدفع إلا عن نفسه وحاشيته، ولم يحفل بفقراء الصليبيين، وقد رأى المسلمون هذه العرباتِ وقلةَ ما جمعوه بأيديهم من الفتح، فمنَعهم منها العهد والالتزام به، ولو كان غيرهم لهاجموها وأخذوها، لكنه عهد المسلمين وأمانهم الذي اشتهروا به، ولو غدروا لما كانت لهم الفتوحات، ولما أمنهم الناسُ، فكان الوفاء بالعهد ميزةً كبرى، وخَصيصة مُثلى من الخصائص التي اشتهر بها المسلمون.
وهكذا حرسهم المسلمون حتى بلغوا مأمنَهم في مدينة صور التي اختاروها، وبالمقابل فإنهم في هجمتهم الصليبية الأولى دخلوا مدنًا كثيرة بالأمان، ثم ذبحوا أهلها، وكانوا مثلهم كمثل إخوانهم نصارى الأندلس، ومثل المغول أيضًا في نقض العهود وعدم الالتزام بها.
والوعد: هو أن يعِدَ الإنسان بشيء لإنسان آخر، فينجز ما وعد به؛ كأن يعدَه بأن يعطيه مالًا، أو يرد له دَينًا، أو أن يزوره في يوم كذا، أو أن ينجز له عملًا في يوم كذا فينجزه، وهكذا،