فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 156

ذكر الواقديُّ تفصيلًا في حصار مدينة بعلبك، وأن قِسمًا من جيشها بقيادة حاكمها هربيس قد حوصروا في قرية محصَّنة ليس فيها زاد، وأبو عبيدة محاصر لبعلبك، ومن قبله سعيد بن زيد محاصر لهربيس، فأراد هربيس أن يحتال ليوقع صلحًا مع المسلمين، فقال للترجمان: انزِلْ إلى هؤلاء العرب وخُذْ لنا منهم أمانًا، واستوثِقْ لنا منهم حتى أنزل إليهم، فلعلنا نُجري بيننا صلحًا، ولعلي أمكر بهم حتى أرجع إلى المدينة، فنزل الترجمان وقال لسعيد بن زيد: جئت لآخذَ منك أمانًا لبطريقنا ألا تنقضَ لنا عهدًا، فقال سعيد: ليس من أخلاقِ الأمراء ومَن يقود الجيوش أن يغدِرَ بعد الأمان، ولسنا - بحمدِ الله - ممن ينقض عهدًا، وقد أعطيت صاحبَك أمانًا ولمن معه ممن ألقى السلاح وخرَج يطلب الأمان مستسلمًا، فرجع الترجمان إلى سيِّده، وأعلَمه بجواب سعيد، وقال له: اخرج، وإياكم والغدرَ؛ فإنه يُهلك صاحبه، وإن هؤلاء العرب لا يخُونون أمانهم وعهدهم، ثم نقله إلى أبي عبيدة، وطلب أبو عبيدة مبلغًا معينًا لقاء الصلح، فرضي هربيس به، وكتب أبو عبيدة نص الأمان وفيه:"ولنا عليكم خراجُ أرضكم في العام الآتي، وأداء الجزية في كل عام، وأنتم بعد ذلك لا تحملون علينا سلاحًا، ولا تكاتبون ملِكًا، ولا تحدِثون حَدَثًا ولا كنيسة، وترون النصحَ للمسلمين"، وقال هربيس: ولنا شرط، فقال أبو عبيدة: وما شرطك؟ قال: لا يدخل إلينا من أصحابك أحدٌ، وتنزل صاحبَك الذي تستخلفه علينا خارج المدينة بأصحابه، ويكون له الخراجُ والجِزية، وتدعني أنا من داخل المدينة للإصلاح بين الناس، والنظر في أحوالهم، ونحن نُخرِج إلى من تخلِّفه علينا من أصحابك سوقًا يكون فيه من جميع ما في مدينتنا، ولا يدخلون إلينا مخافة أن يُغلظوا بكلامهم على كبرائنا، ويفسُد الأمر بيننا وبينكم، ويكون سببًا للغدر ونقض الغدر.

قال أبو عبيدة: فإذا صالحناكم نجاهد عدوكم؛ لأنكم تصيرون في ذمَّتنا، ويكون الرجل الذي نخلفه عليكم مثل الواسطة والسَّفير بيننا وبينكم، قال هربيس: يكون خارج المدينة، ويفعل ما يشاء أن يفعلَه من المحاماة، فقال أبو عبيدة: لكم ذلك، ثم عرَض هربيس الاتفاقَ على أهل بعلبك فأبَوا وقالوا: إنا لا نُطيق هذا المال، فقال هربيس: أتحمَّل أنا الربع، فوافقوا وتم الصلح، واستعمل أبو عبيدة رافعًا السهميَّ على المدينة مع حامية من الجنود، ورجَع أبو عبيدة إلى حِمص بعد أن أوصى رافعًا بالإحسان إليهم، وعدمِ دخول مدينتهم، ثم إن هذه الحاميةَ مع رافع كانوا يشنون الغارات على الروم والساحل ويعودون بالغنائم، ثم يبيعونها من أهل بعلبك بمبالغ زهيدة، ففرح أهل بعلبك، وجنَوا من ورائهم أرباحًا كثيرًا، قال: وعرفوا أننا قومٌ ليس فينا كذبٌ ولا خيانة، ولا نريد ظلمَ أحد، فطابت نفوسهم، ثم إن هربيس حسَد أهل البلد على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت