وهكذا منَّاهم الأمانيَّ في البقاء والعصيان على أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقام حييُّ بن أخطَبَ زعيمُ بني النضير وأرسَل إلى النبي: إنا لا نبرَحُ من دارنا وأموالِنا، فاصنَعْ ما أنت صانع .. فكبَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: (( حاربت يهودُ ) )، وانطلَق لحصارهم، وكان جَلاؤُهم.
ظهَر في هذه الغزوة حقدُه الدفين على الإسلام ونبيِّ المسلمين، وحدَث على ماء المريسيع بعد أن انقطعت الحرب، أنِ اختلف"سنان بن وبر الجُهَني وهو حليف لبني سالم من الأنصار، وجهجا بن سعيد الغِفاري وكان مولًى لعمرَ بن الخطاب، فلطم جهجا سنانًا فشجَّه، فنادى سنان: يا آل خزرج، ونادى جهجا: يا آل قريشٍ، يا آل كنانة، وشهروا السِّلاح، وكادت تحصُلُ فتنة عظيمة، ثم هدأت الأمورُ، وكُلِّم سنان أن يتنازَلَ عن حقه ويعفوَ ويصفح، وألا يرفع الأمرَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبِل، وبلغت هذه الحادثة ابنَ أبيٍّ ابنَ سلولَ فلم يشَأْ أن تُحَلَّ بهذه الحكمة، بل أراد أن تكون نارًا تشب بين الفريقين، ثم قال:"ما رأيتُ كاليوم مذلة، والله إنْ كنتُ لكارهًا لوجهي هذا، ولكن قومي غلَبوني، وقد فعَلوها، قد نافَرونا وكاثَرونا في بلدنا، وأنكروا منَّتَنا، والله، ما صِرْنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائلُ:"سمِّنْ كلبَكَ يأكُلْكَ".
ثم يقول:"والله لئن رجَعْنا إلى المدينة ليُخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ".
وسمِع زيدُ بن أرقم هذا الكلام، فغضب من ابن أبيٍّ، وقام فنقل الكلام للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكره النبيُّ أن يسمعَ مِثل هذا الكلام وقال له: لعلك غضبتَ عليه؟ قال: لا والله، لقد سمعتُه منه، قال: لعله أخطأ سمعُك، قال: لا يا نَبيَّ الله، قال: لعله شُبِّه عليك، قال: لا والله لقد سمعتُه منه يا رسول الله، وأسرع عددٌ من كبار الأنصار إلى ابنِ أبيٍّ ابن سلولَ يستفسرون ويؤنِّبونه على قوله، ويطلبون منه الاعتذارَ أمام النبي والتوبة، فأنكر ذلك وحلَف أنه لم يقُلْ شيئًا، ولو أنه اعترف لاستغفَر له رسولُ الله، لكنه أصرَّ على كذبه، واتهم زيدَ بن أرقم بنقل الكلام كذبًا، لكن صدَق زيد؛ فقد نزل قرآن يتلى بهذه الحادثة، وظهَر كذبُ ابنِ سلولَ للجميع، وظهر نفاقُه، ونزلت مرتبتُه أمام الناس؛ لأن الشريف عندهم لا يكذِب، فقد كذَب وأصبح بمرتبة الوضيع، لقد نزلت سورة"المنافقون"وهم عائدون من المريسيع، تذكُر خبر ابن سلول، فلما سُرِّي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخَذ بأذن زيد بن أرقم فرفَعها وهو يقول: وفَتْ أذنُك يا غلام، وصدَّق الله حديثَك؛ قال الله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ