(( لأبعَثَنَّ معكما رجلًا أمينًا حقَّ أمين، حق أمين، فقال: قُمْ يا أبا عبيدة ) )، فلما قام قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا أمينُ هذه الأمَّة ) ) [1] .
المديحُ في غيرٍ حق يضيع أمانةَ الكلمة، سواء كان مدح الرجل لنفسه، أو مدحه لغيره، وقد عاب اللهُ على مَن فعل هذا؛ فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء: 49] ، وقال أيضًا: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] ، ففي الآيةِ الأولى تعجب من حال هؤلاء الذين يزكُّون أنفسهم؛ قال في تفسير فتح القدير: اتَّفق المفسِّرون على أن المراد اليهود .. وذلك في قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] ، وقولهم: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] ، وقال الضحَّاك: هو قولُهم: لا ذنوبَ لنا ونحن كالأطفال، وقيل: ثناءُ بعضهم على بعض، ثم قال: ومعنى التزكية: التَّطهير والتنزيه، واللفظ يتناول كلَّ من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، ويدخُل في هذا التلقُّب بالألقاب المتضمِّنة للتزكية؛ كمحيي الدين، وعز الدين، ونحوهما؛ اهـ، وفي تفسير ابن كثير: قيل: نزَلَت في ذمِّ التمادُح والتزكية، وفي صحيح مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمَرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنِ احثُوا في وجوه المدَّاحين التراب، وعن أبي بَكْرة عن أبيه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سمِع رجلًا يُثني على رجل فقال: (( ويحَك، قطعتَ عُنقَ صاحبك ) )، ثم قال: (( إن كان أحدُكم مادحًا صاحبَه لا محالة، فليقُلْ: أحسَبُه كذا، ولا يزكي على الله أحدًا ) )؛ رواه البخاري ومسلم؛ اهـ ابن كثير.
وهذا الحديثُ يبيِّن ما يحصلُ للممدوح إن مدح بشكل مبالَغ فيه، وفيه ضرر بالغ على الممدوح، بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( ويحَك، قطعتَ عنقَ صاحبك ) )، فالمادح بهذا الشكل اعتبره غير محب للممدوح؛ لأنه بمدحه الزائد يتسبَّبُ في أذيته، وقد قص لي صديقٌ أنه شهِد مباراة تصفية على المركز الأول في كرة الطاولة ويريد لزميله المتباري أن يفوزَ بها، لكن منافسه كان أكثرَ مهارة من زميله، ففطن إلى هذا الحديث، فأخَذ يُطري على منافس زميله، فيسمعه كلامًا من مثل: انظر إلى كيفية إرساله للكرة، لا أحدَ يتقن اللعب مثلَ هذا البطل، انظر كيف يردُّ الكرة، مهارة بالغة! إلى غير ذلك من مثل هذا الكلام، قال محدثي: فوقع هذا اللاعب لما سمع مني الإطراء في ارتباكٍ شديد، حتى فاتته كرات سهلة، وبالتالي خسر وفاز زميلي الذي كنت أتمنى فوزه.
(1) جامع الأصول 9508، وهو في الصحيحين.