الطرق قبل أن يصلَ إلى مكة، وقال قبل أن يلفِظَ أنفاسه:"اللهم إن كنتَ حرمتَني من هذا الخير، فلا تحرِمْ منه ابني سعيدًا" [1] ، وابنه سعيد بن زيد مِن أوائل مَن أسلموا، وكان سببًا في إسلامِ عمر بن الخطاب.
أكد الإسلام على تكريم الأبناء، ورفع شأنهم، وتربيتهم التربية القويمة؛ وذلك ردًّا على عادات الجاهلية التي استهانت بهم أحيانًا، وخصوصًا البنات؛ فقد ذكر في تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم حسن:"ومن عادات العرب المستقبحة وأدُ البنات مخافةَ المذلة أو العار، على أن هذا الأمر لم يكن شائعًا عند العرب، بل كان في بعضِ الطبقات المنحطَّة منهم؛ خشية الفقر، وعلى الأخصِّ في بني أسد وتميم، وقد نهى عن ذلك القرآنُ الكريم في قوله تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9] ، أما معاملةُ العرب لأبنائهم الذكور، فكانت تنطوي على الحَنَان والمحبة، إلا قليلًا من الفقراء والضعفاء الذين كانوا يقتُلونَ أولادهم مخافةَ الإملاق، وقد سفَّههم اللهُ في ذلك، ونهى عن هذه العادة المرذولة بقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام: 151] ."
ولقد أبصَر الأقرعُ بن حابسٍ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يقبِّلُ الحسن، فقال: إن لي من الولد عشَرة، ما قبَّلتُ أحدًا منهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( إنه من لا يرحَم لا يرحم ) ) [2] ، وهذا يدلُّ على رحمةِ الإسلام بالأبناء، كما يُبيِّنُ لنا كيف كان تصرُّفُ أهل الجاهلية معهم؛ فالأقرعُ بن حابس كان حديثَ عهدٍ بالإسلام، وكان يُعَد من المؤلَّفة قلوبُهم، فأعطاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غنائمِ غزوة حُنَين.
وفي الأثر الذي يرويه أبو داود عن البراءِ بن عازب قال: دخلتُ مع أبي بكر أول ما قدِم المدينة، فإذا عائشةُ ابنته مُضطجعة قد أصابتها حُمَّى، فأتاها أبو بكر فقال لها: كيف أنتِ يا بنيَّة؟ وقبَّل خدَّها" [3] ، وإسناده حسن."
فهذا يدلُّ على حنان الأبوة، وتكريم الأولاد في ظلِّ الإسلام، وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: دخلَتْ عليَّ امرأة ومعها ابنتانِ لها، تسأل، فلم تجِدْ عندي شيئًا، غير تمرة واحدةٍ، فأعطيتُها إياها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكُلْ منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبيُّ
(1) انظر: صور من حياة الصحابة، للدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا ج 3.
(2) رواه الترمذي عن أبي هريرة، وهو حديثٌ حسَن صحيح.
(3) جامع الأصول، ص 416 ج 1.