فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 156

صلى الله عليه وسلم، فأخبرتُه، فقال (( مَن ابتُلي من هذه البنات بشيءٍ، فأحسَن إليهن، كُنَّ له سترًا من النار ) ) [1] ، وفي رواية أخرى لمسلم قالت: جاءتني مسكينةٌ تحمل ابنتينِ لها، فأطعمتُها ثلاث تمراتٍ، فأعطت كلَّ واحدة منهما تمرةً، ورفعت إلى فيها تمرةً لتأكلَها، فاستطعمَتْها ابنتاها، فشقَّت التمرةَ التي كانت تريد أن تأكلَها بينهما، فأعجبني شأنُها، فذكرتُ الذي صنعَتْ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: (( إن اللهَ عز وجل قد أوجَب لها بها الجنة، وأعتَقها بها من النار ) )، وهكذا جعَل الإسلام مَن ينفق على بناته ويُربِّيهن التربية الحسنة: الجنَّةَ، فأيُّ فضلٍ أعظمُ من هذا؟

وعند مسلم أيضًا عن أنسِ بن مالك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( من عال جاريتينِ حتى تبلغا، جاء يوم القيامة وأنا وهو، وضمَّ أصابعه ) )، وفي رواية الترمذي: (( من عال جاريتينِ، دخلتُ أنا وهو الجنَّةَ كهاتين، وأشار بأصبعيه ) )، وعند أبي داود قال: (( من عال ثلاث بناتٍ، أو ثلاث أخواتٍ، أو أختَيْن، أو ابنتين، فأدَّبَهن وأحسن إليهن وزوَّجهن، فله الجنةُ ) ) [2] .

وعال: بمعنى أنفَق عليهم وقام بأمرِهم.

وعن سعيد بن العاص أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما نحَل والدٌ ولدًا مِن نُحْلٍ أفضلَ من أدبٍ حسَن ) )، ونحَل بمعنى أعطى؛ فالصورة في ظل الإسلام مشرِقة زاهية، بر بالوالدين من الأبناء، ومحبة وعطفٌ وحنان من الوالدين للأولاد، ولقد بلغ من محبة المسلمين لأولادهم أنْ دفَعوهم لطلب العلم عند مَن يُحسِن تعليمهم، ودفَعوا بسخاء لمن يعلِّمهم ويؤدِّبهم، كما كان بعضهم يزوِّد المعلِّم بنصائحَ لتعليم ابنه، تدل على ما يريد لابنه أن يكون، وكان جلُّ اهتمامهم أن يلمَّ بعلوم الدين والأدب، وحُسن الأخلاق، فهذا عتبةُ بن أبي سفيان - أخو معاوية - يوصي معلِّم أولاده عبدالصمد فيقول له:"ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك؛ فإن أعينَهم معقودة بعينك؛ فالحُسن عندهم ما استحسنتَ، والقُبح عندهم ما استقبحتَ، وعلِّمهم كتاب الله ولا تكرِهْهم فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم رَوِّهم من الشِّعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفَه، ولا تخرجهم من علمٍ إلى غيره حتى يحكِموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وتهدَّدْهم بي، وأدِّبْهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، وجنِّبْهم محادثة النساء، وروِّهم سير الحكماء، وزِدْ في تأديبهم أزِدْكَ في بري"، وكذلك أوصى الخليفةُ الرشيدُ معلِّمَ ابنه خلفًا الأحمر فقال له:"إن أميرَ المؤمنين رفَع"

(1) جامع الأصول، ص 441 ج 1.

(2) جامع الأصول، ج 1 ص 213.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت