فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 156

التربية والإنجاب؛ لأن الأب كان سببًا في وجود ابنه، والابن كان سببًا في تحرير والده من العبودية، والحرية هي الحياة.

ولما شكا أحدُ الأبناء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخذ أبيه لماله، مال مع الأبِ، وعدَّ الابن كسبًا لأبيه؛ فعند أبي داود أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن لي مالًا وولدًا، وإن أبي يجتاح مالي - أي يأخُذُ منه أخذًا إلى حد الاستئصال - فقال: (( أنت ومالُكَ لأبيك، إن أولادكم من أطيبِ كَسْبِكم، فكُلُوا من كسبِ أولادكم ) ) [1] ، وهو حديث حَسَنٌ، وله طرق كثيرة.

ولهذا قصة، فقد رُوِي أنه جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن أبي أخَذ مالي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( اذهَبْ فأتِني بأبيك ) )، فنزل جبريلُ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: إذا جاءك الشيخُ، فسَلْه عن شيء قاله في نفسِه ما سمعته أذناه ) )، فلما جاء الشيخ قال: (( ما بال ابنِك يشكوك، تريد أن تأخذ ماله؟ ) )، قال: سَلْه يا رسول الله، هل أنفقتُه إلا على إحدى عمَّاته أو خالاته أو على نفسي، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إيه، دعنا من هذا، أخبِرْني عن شيء قلتَه في نفسك ما سمِعَتْه أذناك ) )، فقال الشيخ: والله ما يزال اللهُ يزيدنا بك يقينًا، لقد قلتُ في نفسي شيئًا ما سمعَتْه أذناي، فقال: (( قل وأنا أسمع ) )، فقال:

غذوتُك مولودًا وصُنتك يافعًا = تُعَل بما أجني عليك وتنهَلُ

إذا ليلةٌ ضافَتْك بالسُّقم لم أبِتْ = لسُقمِك إلا ساهرًا أتململُ

تخاف الرَّدى نفسي عليك وإنها = لتعلمُ أن الموت وقتٌ مؤجَّل

فلما بلغت السنَّ والغاية التي = إليها مدى ما كنت فيك أؤمِّلُ

جعلتَ جزائي غلظة وفظاظة = كأنك أنت المُنعمُ المتفضلُ

فليتَك إذ لم تَرْعَ حقَّ أبوتي = فعلتَ كما الجار المجاور يفعل

فأوليتَني حقَّ الجوار فلم تكُنْ = عليَّ بمال دون مالِك تبخَلُ

عند ذلك أخَذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: (( أنت ومالُك لأبيك ) ) [2] .

(1) جامع الأصول، ص 399، ج 1.

(2) ص 28 ج 1، كشف الخفاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت