فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 156

ولقد استغل كفارُ قريش حثَّ الإسلام على طاعة الوالدين، فأرادوا استغلالَ هذه الطاعة في رد المؤمنين عن دِينهم، بحجة عدم رضاء الوالدين؛ فقد رأينا قبل قليل ما فعلَتْ أم سعد بن أبي وقاص من أجل رد سعد عن دِينه، وكذلك يروي ابن هشام في السيرة قصة عياش بن أبي ربيعة، قال عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: اتَّعَدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب - مكان قرية قرب مكة، أو شجر ملتف - من أضاة بني غِفَار - غدير يجمَعُ ماء المطر- فوق سَرِف - موضع بين مكة والمدينة - وقلنا: أينا لم يصبِحْ عندها فقد حُبِس، فليمضِ صاحباه، قال: فأصبحتُ أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحُبِس عنهما هشام، وفُتِن فافتتن، فلما قدِمْنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُبَاء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما، وأخاهما لأمهما حتى قدِما عليه المدينة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا: إن أمَّكَ قد نذرت ألا يمس رأسَها مُشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقَّ لها، فقلت له: يا عياش، إنه والله إن يريدُ القوم إلا ليفتنوك عن دِينك، فاحذَرْهم، فوالله لو قد آذى أمَّك القَمْلُ، لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حرُّ مكة، لاستظلت، قال: فقال: أبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، ولي هنالك مال فآخذه، قال: فقلت: والله، إنك لَتعلم أني لمن أكثر قريشًا مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قلت: أما إذ قد فعلتَ ما فعلت، فخُذْ ناقتي هذه؛ فإنها نَجيبة ذَلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانجُ عليها، فخرج معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال له أبو جهل: والله يا ابن أخي، لقد استغلَظْتُ بعيري هذا، أفلا تُعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى، قال: فأناخ وأناخا ليتحوَّل عليها، فلما استوَوْا بالأرض، عدَوْا عليه، فأوثقاه، وربطاه، ثم دخلا به مكة، وفَتَنَاه فافتتن، قال ابن إسحاق: فلما دخلا به مكة، دخلا به نهارًا موثقًا، ثم قالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسُفَهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا" [1] ، وتمام القصة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المدينة، قال: (( من لي بعيَّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص؟ ) )، فتطوع الوليد بن الوليد بن المغيرة، وذهب إلى مكة وأنقذهما."

أمر الله سبحانه وتعالى ببِر الوالدين كليهما، واختص الأمَّ بمزيد من البِرِّ والصِّلة؛ لكونها امرأةً ضعيفة، والرجل أقوى وأشد، ولكونها حملت بولدها، وأرضعت وسهِرت، فالرجُل استودع

(1) ابن هشام، سيرة النبي، ص 85 ج 2، وفيها تمام الخبر مفصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت