فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 156

صحيح، وهذا الأمر يحتاج إلى توضيح، هل يستجيب الولد لإرادة أبويه أو أحدهما في مِثل هذه المسألة أم يمتنع؟ وإذا امتنع، هل يكون عاقًّا؟

في مثل هذه المسائل ينظر فيها إلى أمور عدة، منها:

1 -الضرر الذي سيلحق الوالدين من عدم تلبية رغبتهما.

2 -مقدار تقوى الوالدين وورَعِهما وعِلمهما.

3 -أهمية الأمر الذي نهيا عنه، وما مقدار الضرر الذي سيعود على الوالدين من جراء هذا النهي.

ومما لا شك فيه أن عمرَ بن الخطاب عندما أراد من ولده تطليقَ زوجته، إنما كان ينظر ويرى شيئًا لم يرَه ولدُه، ونحن نعرف مقدار تقوى عمر وورَعِه، ومقدار نظرته الثاقبة للأمور، وكذلك يؤثَرُ عن إبراهيم عليه السلام أنَّه أمَر ولده إسماعيل عليه السلام بتطليق زوجته عندما رأى منها تصرفًا لا يليق بها أن تكونَ زوجة لنبي، فإذا توفَّر آباء يخشَوْن الله ويتَّقونه، فيجب على الولد تلبيةُ طلبهم، وإلا كان عاقًّا، كذلك ينظر للأمر إن كان فيه ضرر على الأبوين، فإن كانت امرأةُ الولد تَكِيدهما، وتُنغِّص عيشهما، ولم ترتدِعْ بالتهديد لتغيير معاملتها - فالأَولى تلبية طلب الوالدين إن طلبا طلاقها، أما إن كان الأمر لا يُلحق بهما ضررًا لا من قريب ولا من بعيد، كأن تكون في مسكن وحدها، ولا يصدر منها ما يؤذي الوالدين، فعدم تلبية رغبتهما أو أحدهما بطلاقها لا يُعَد عقوقًا، ويبقى الابنُ على الإحسان لهما وبرهما ما استطاع، وإن كان الأمر يتعلق في تجارة ونحوها وأشارا عليه بعدم العمل بها، فهذا أمرٌ راجع إلى تقديره، ويُعَد رأيهما من باب المشاورة، إن شاء أخَذ به، وإن شاء أمضى تجارته، وهكذا تُقدَّر الأمور من قِبَل الولد الحصيف لإرضاء والديه وكَسْبِ مودتهما، وقد ورد في الحديثِ عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأةً وإن أمي تأمرُني بطلاقها، فقال له أبو الدرداء: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( الوالد أوسطُ أبواب الجنة ) ) [1] ، فإن شئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أوِ احفَظْه.

وفي طاعتهما صِلَتُهما؛ فعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمَتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: قدمتْ عليَّ أمي وهي راغبة - عن الإسلام - أفأصِلُ أمي؟ قال: (( صِلِي أُمَّكِ ) )، والصلة هنا: العطيَّة والإنعام.

(1) جامع الأصول ص 404 ج 1، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت