صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، يرفَعُه الله بها في الجنة، وإن العبدَ لَيتكلم بالكلمة من سَخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنمَ ) ) [1] ، وفي رواية: (( يزلُّ بها في النار أبعَدَ ما بين المشرِقِ والمغرب ) )، وفي روايةِ الترمذي: (( يهوي بها سبعينَ خَريفًا في النار ) ).
وعن أمِّ حبيبة قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( كل كلامِ ابن آدمَ عليه لا له، إلا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكَر، أو ذِكر الله ) )، وهو حسَنٌ؛ ولذلك كانت آفاتُ اللسان من أكبرِ البلايا التي تجتاح حَسناتِ المسلم، وفي الصحيحينِ عن المغيرةِ بن شعبةَ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله حرَّم عليكم عقوقَ الأمهات، ووَأْدَ البنات، ومنعًا وهاتِ، وكرِه لكم قيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال ) ) [2] ، منعًا وهات: أي يمنع أداءَ ما عليه، ويطلُبُ ما له، قيل وقال: يدلُّ على كثرةِ الكلام بغير فائدة، وقد يُفيد نقلَ الكلام بلا توثيق، أو إشاعةَ خبرِ ما يثير البلبلة.
ففي الحديث الطَّويل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبِرْني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال: (( لقد سألتَ عن عظيم، وإنه لَيسير على من يسَّره الله تعالى عليه: تعبُد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] ، حتى بلغ: {يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ، ثم قال: ألا أُخبِرك برأس الأمر وعمودِه وذِروة سَنامه؟ ) )، قلت: بلى يا رسول الله، قال: (( رأسُ الأمر الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذروة سَنامه الجهادُ، ثم قال: ألا أُخبِرك بمِلاك ذلك كله؟ ) )فقلت: بلى يا رسولَ الله، فأخذ بلسانه وقال: (( كفَّ عنك هذا ) )، قلت: يا نبيَّ الله، وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به؟ فقال: (( ثكِلَتْك أمُّك، وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائدُ ألسنتهم ) ) [3] .
الرسلُ صلوات الله عليهم هم القدوة في نقلِ أمانة الكلمة؛ لأنهم المؤتَمنون مِن الله عليها، فكل نَبيٍّ حملها وبلَّغها إلى قومه كما أمَره الله تعالى بها؛ قال الله تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي
(1) جامع الأصول 9410.
(2) جامع الصحيحين 9394.
(3) رواه الترمذي، وهو حديث حسن صحيح.