فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 156

كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [الكهف: 82] ، فحفِظ الله لهما مال أبيهما من الضياع أو عَبَث العابثين فيما لو سقَط الجدارُ وظهر الكنز وهما ما دون الرشد، فأرسل اللهُ لهما الخَضِر مع موسى لإقامة الجدار، فحفظ الكنز بذلك عن الأعينِ، وطمَعِ الطامعين بمال اليتيم.

ولقد أخبَر اللهُ تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم عن يُتمه، وأنه رعاه في يتمه؛ حيث انتَقَل في كفالةِ الأمناء والمحبين له، من جدِّه إلى عمِّه، إلى أن بلغ أشده؛ فقال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6] ، ثم أوصاه باليتيم ومحبتِه ورعايته بعد أن ذكَّره بحالته ورعاية الله له، فقال: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى: 9] ، وقد أحبَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأيتامَ عمومًا، وذوي قُرباه خصوصًا، فأوصى بهم؛ فعن أبي هريرة أن رجلًا شكا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قسوةَ قلبِه فقال: (( امسَحْ رأسَ اليتيم، وأطعِمِ المسكينَ ) )؛ رواه أحمد، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

وأخرج البزَّار عن بشير بن عقربة الجُهني قال: لقيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أُحد فقلت: ما فعل أبي؟ قال: (( استُشهِد، رحمةُ الله عليه ) )، فبكيت، فأخذني فمسح رأسي وحملني معه وقال: (( أما ترضى أن أكون أنا أباكَ، وتكون عائشة أمَّك؟ ) ) [1] ، وعندما بلَغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم - عن طريق الوحي - خبرُ استشهاد قادة معركة مؤتة؛ زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رَوَاحة، انطلق عليه الصلاةُ والسلام إلى بيت جعفر بن أبي طالب، قالت أسماءُ بنت عُمَيس زوجة جعفر: دخَل عليَّ رسول الله وقد دبغت أربعين منيئة [2] ، وعجنت عجيني، وغسلت بنيَّ ودهنتهم ونظَّفتهم، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ائتيني ببني جعفر ) )، قالت: فأتيتُه بهم، فتشممهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما يبكيك، أبلَغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: (( أُصِيبوا هذا اليوم ) )، قالت: فقُمْت أصيح، واجتمع إليَّ النساء، وخرج رسول الله إلي فقال: (( لا تُغفلوا آلَ جعفر من أن تصنَعوا لهم طعامًا؛ فإنَّهم قد شُغلوا بأمر صاحبهم ) )، مما تقدَّم يتبين لنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأيتام، والتوجيه إلى حبهم.

قال الله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ

(1) ) حياة الصحابة، ص 490، ج 2.

(2) ) المنيئة: الجِلد ما دام في الدِّباغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت