ولما نزَلت الآية: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] ، والآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] ، قال: انطلَق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعَل يفضُل الشيءُ أو يزيدُ عن حاجة اليتيم، فيُحبَس له حتى يأكله، فكان يفسُد، فاشتدَّ ذلك على الصحابة، فذكَروا ما حصل للنبيِّ عليه الصلاة والسلام، فأنزَل الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] ، فخلطوا طعامَهم بطعامهم، وشرابَهم بشرابهم؛ ذكره ابنُ كثير في تفسيره.
وقد ذكَر اللهُ سبحانه وتعالى في القرآن الكريم اليتيمَ في آيات متعددة، كلها توصي به، أو تبيِّنُ رحمةَ الله به؛ لتعويضه عن اليُتم؛ قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83] ، فجملهم الله تعالى بالوصيةِ مع الإحسان للوالدين ولذوي الأرحام والمساكين دون النظرِ إلى حالة اليتامى، من حيث الفقر أو الغنى، وإن كان يغلب عليهم الفقر بسبب فَقْدِ الأبِ، وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: 215] ، فرغَّب أهلَ الغنى واليسار بالإنفاق عليه كما ينفق على الوالدين والأقربين والمساكين وأبناء السبيل، ولقد خصص اللهُ تعالى صدرَ سورة النساء في الأيتام وحالهم، والطريقة الحسنة في معاملتهم، وسنفرد لها بحثًا مستقلاًّ، وجعل الله تعالى لليتامى نصيبًا من الغنائم فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] ، وقال أيضًا: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الحشر: 7] ، ولقد جعَل الله تعالى من صفات المؤمنين أنهم كانوا يحبُّون اليتيم ويطعمونه؛ قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] ، وفي الوقتِ نفسه عاب على أهلِ الجاهلية عدمَ إكرامهم لليتيم فقال: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر: 17] ، وهدَّدهم بيوم القيامة وعقباته إن أساؤوا إليه، فقال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 16] ، فلا فَكاك من العقبة إلا بالإحسانِ إلى اليتيم أو المسكينِ، ولقد ذكَر الله تعالى لُطْفَه باليتيم، ورعايته له، خصوصًا إذا كان والده صالحًا؛ فقال تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا