وهكذا رأى إبراهيمُ الطيورَ التي ذبحها بيده، وخلط أجزاءها بعد تقطيعها، ثم نثَرها فوق الجبل في أماكنَ متفرقة، ثم دعاها فأحياها الله، وأتَتْه تطيرُ كما كانت من قبلُ، أما النمرود صاحب التفكير المسلوب، والتصرُّف الأحمق، فقد أراد أن يميت حيًّا، ويحيي حيًّا، فكان عُرْضةً للسخرية والضحكِ والاشمئزاز، ولما رأى إبراهيمُ مبلغَ حُمقِه، نقَله نقلة لا يستطيع أن يؤذيَ فيها أحدًا، وهي أشقُّ من الأولى، فقال له: إن اللهَ يأتي بالشمس من المشرق، فَأْتِ بها من المغرب، وهنا أُسقِط في يده، ووقَف حائرًا، فغضِب وطرَد إبراهيم، وظل في غيبوبته وسُكْرِه مع شياطينه.
فهذا نموذج على مبلغِ تفكير المشرك، إنه تفكيرٌ منحطٌّ، فبمجرد أن يكفُرَ الإنسان، أو أن يتنكرَ لخالقِه، فإن الله سبحانه وتعالى يسلبُه تفكيرَه السويَّ، فيفكر بإرادة مسلوبة، وبسطحية تدعو للسُّخرية، ويدبِّرُ للأمر فيأتي على عكس ما دبَّر وخطَّط.
أما فرعونُ فليس بأحسنَ حظًّا من نمرود، كلاهما ادَّعى الألوهية، وكلاهما وقَع في شرِّ تفكيره.
أ- أخبره الكهنة بأن مُلكَه سيقوَّض على يد رجل من بني إسرائيل سيولد في هذا العام، فماذا صنع؟ هداه تفكيرُه السقيم اللامسئول إلى قَتْل كل مولود ذَكَر من بني إسرائيل، وهكذا يدفَع الشعبُ المقهور الثمنَ للحفاظ على عرش مَلِك طاغية يحكُمُهم، ولو كان مؤمنًا يخاف الله لَمَا فعل ذلك، ولَمَا أراق قطرة دمٍ حرَّم الله إراقتها، فكان تدبيرُ الله أقوى، فحفِظ موسى وسلَّمه، وجعَله يعيش في كنَف فرعون وفي منزله، وكانت نهاية فرعون على يد هذا النبي، ولم ينفَعْه ما دبَّر وخطَّط؛ لأن تدبيره وتخطيطه مِن عقله الضالِّ المنحرف المشركِ، ومثلُ هذا العقل لا يهدي إلى الرُّشدِ.
ب- قصته مع موسى بعد أن أصبح نبيًّا وجاءه بالبينات والمعجزات الباهرة التي تقطع بصحة نبوتِه، فلما رأى العصا تنقلب ثعبانًا، دعا إلى المنازلة علنًا أمام الناس، وهنا يقع فرعونُ في قُبْحِ تدبيرِه وتخطيطه، ويعجِزُ عقلُه عن التفكير السوي، فأي دعوةٍ علنية هذه التي فكَّر فيها الطاغية وهو يرى معجزةَ موسى الباهرة، وأي ثقةٍ هذه التي كان يثِقُ فيها بسَحَرة بلاده حتى يدعوَ إلى المنازلة أمام الملأ، إنه التفكيرُ المريض، فكيف يشرح الله قلبَه لتفكير سوي وهو الذي يحاربُ اللهَ ورسوله؟ وهو الذي جعل نفسه ندًّا لله! فكان تدبيرُه في تدميره، لقد اكتشف سحرةُ فرعون أنهم على خطأ، وأن فرعون ضالٌّ مضلٌّ، كما اكتشفوا صِدقَ دعوة موسى، وأن عصاه معجزةٌ إلهيةٌ خارقة لا يقف السِّحرُ أمامها، فلما وصَلوا إلى هذا اليقين، أعلنوا إسلامَهم أمام الملأ، فكانت التظاهرةُ التي أقامها فرعونُ صفعةً قوية له، خاب وخسر فيها أمام جنده وحَشْده