فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 156

يندَموا على ما فعلوا ويطلبوا الصفح، استعجلوا العذاب، فأتاهم العذاب: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود: 65] .

لقد تخبَّطوا في ضلال وتيهٍ، فلم يُسعِفْهم ذكاؤهم المعهود، ولا قوة ذاكرتهم لاتخاذ قرار حكيم، بل إن شيطانَهم وفكرَهم الذي ضلَّ وانحرف زاد في عمايتِهم وضلالهم، ووقَفوا من الدعوة موقف المعاند، ليس معهم أدنى حق، ولا يؤيدهم منطقٌ سليم، بل قادهم فكرُهم إلى اتخاذ مواقفَ مضحكةٍ من الدعوة، ندرك من خلالها ما وصَلوا إليه من غباء في الفكر، وبُعدٍ عن التصرُّف السويِّ، فهذا الوليد بن المغيرة صاحبُ الرأي والمشورة في قريش يقترحُ أن تأخذَ موقفًا موحَّدًا من النبي صلى الله عليه وسلم في مَوسِمِ الحج، فيقول:"يا معشرَ قُرَيش، إنه قد حضر هذا المَوسِم، وإن وفودَ العرَبِ ستقدَمُ عليكم فيه، وقد سمِعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمِعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيُكذِّبَ بعضُكم بعضًا، ويردَّ قولُكم بعضُه بعضًا، قالوا: فأنت يا أبا عبدشمس، فقُلْ وأقم لنا رأيًا نقُلْ به، قال: بل أنتم فقولوا أسمع، قالوا: نقول: كاهن، قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهَّان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا سَجْعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرَفْناه، فما هو بخَنْقه ولا تخالُجِه ووسوسته، قالوا: فنقول: شاعر، قال: ما هو بشاعر، لقد عرَفْنا الشِّعر كلَّه رَجَزَه وهزجه، وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشِّعر، قالوا: فنقول: ساحر، قال: ما هو بساحرٍ، لقد رأينا السُّحَّار وسِحْرهم، فما هو بنَفْثهم ولا عقدهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبدشمس؟! قال: والله إن لقولِه لحلاوةً، وإن أصله لعذق، وإن فرعَه لجناة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرِف أنه باطل، وإن أقرَبَ القول فيه لَأَنْ تقولوا: هو ساحر، جاء بقولٍ هو سِحر؛ يفرِّقُ بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته)."

لقد عرَف الحق وردَّ كلَّ قول قالوه، لكنه لما أصرَّ على الضلال والكفر أصدَر حُكمًا كان قد ردَّه سابقًا، وهو السحر، فعاد حُكمه ليريَنا ضلالَ رأيِه وتيهِه.

وكان الأَولى بعد نفيِ كلِّ الصفات الشائنة أن يُنصِفَ في الحُكم، ويقول: نبي، لكن عقله الذي ركِب هواه خانه في الحُكم، فضلَّ وتاه، وقد بيَّن اللهُ في كتابه ضلالَ هذا الرجل، وفكرَه المريض بعد أن آتاه اللهُ المالَ والجاه، لكنه ضلَّ في الحُكم؛ وذلك لضلال فِكرِه وعقيدته؛ قال تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ *

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت