وقد كان بعض الوعاظ يشدِّدُ بالوعظ على مَن جار في حُكمه؛ ليُخِيفه ويردعَه ليكفَّ عن الجَور والعدوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( إن من أعظمَ الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطان جائر ) ) [1] .
{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152] ، قال في تفسير فتح القدير:"أي: لا تتعرَّضوا له بوجه من الوجوه، إلا بالخَصلة التي هي أحسنُ من غيرها، وهي ما فيه صلاحُه وحِفظه وتنميته، فيشمل كلَّ وجه من الوجوه التي فيها نفعٌ لليتيم، وزيادة في ماله، وقيل: المراد {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} : التِّجارة، و {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} ؛ أي: إلى غاية، هي أن يبلغَ اليتيم أشدَّه، فإن بلغ ذلك، فادفَعوا إليه مالَه؛ كما قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] ، واختُلف في سنِّ الرشد، أو في بلوغ الأشد؛ فالذي عليه أكثرُ أهل العلم أنه سنُّ التكليف مع إيناسِ الرُّشد، وهو أن يكونَ في تصرفاته بمالِه سالكًا مسلكَ العقلاء، لا مسلك أهل السَّفَه والتبذير"؛ اهـ.
فمن هو اليتيمُ الذي أوصانا اللهُ به؟
اليتيمُ في بني آدم مَن فقَد أباه، فإن فقَد أمَّه أيضًا كان يتيم الأبوين؛ كالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأصل اليُتْم: الانفراد، يقال: صبي يتيم؛ أي: منفرد من أبيه، وفقدُ الأب على الأولاد شديد؛ لأنه عائلهم، والسبب في تحصيل رِزقهم وإطعامهم وكسوتهم، وفي تحمُّل أعباء تربيتهم، يحمل عنهم كل مسؤولية؛ ففي الحديث الشريف: (( والأب راعٍ في بيته، وهو مسؤول عن رعيتِه ) )؛ ففقدُه يسبِّبُ خللًا في البيت لا يُجبَر، ولكن التخفيف عن اليتيم يكون بوجود كافل أو وصيٍّ يقومُ مقام الأب في رعاية هذا اليتيم، والحِفاظ على ماله حتى يبلغ أشدَّه، وله في ذلك ثوابٌ كبير؛ ففي الحديث الشريف: (( أنا وكافلُ اليتيم في الجنة ) ) [2] ، هكذا، وأشار بالسبَّابة والوسطى، وفرَّج بينهما.
وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( كافلُ اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتينِ في الجنة ) )، وأشار بالسبَّابةِ والوُسطى، ومعنى: (( له أو لغيره ) )؛ أي: قريبه، أو الأجنبي عنه.
(1) ) رواه الترمذي، وهو حسن.
(2) ) رواه البخاري وأحمدُ عن سهلِ بن سعد.